شعار قسم مدونات

نُسيت وكأني لم أكُن

blogs رجل حزين

حين أخبروا أمي بأنها مُصابة بالسرطان كنت في الرابعة عشرة من العمر، حسبت بأن السرطان مرحلة مُتقدمة من الزُكام مثلاً، اعتقدت بأنه مرضٌ يُداوى. ولكن أبي بكى وخالتي بكت وجدتي وجميعهم، رأيتهم يبكون فبكيت. رأيتهم يخافون فخفت، بعدها بسنتين وبعد خبرة طويلة مع محطات المرَض وبشاعته وعلاجاته التي لا تُشبه الزُكام؛ بدأت أمي بفقدان ذاكرتها بضع ساعات في اليوم. لم تتذكرني وأنا في السادسة عشرة من العُمر، لم يبكي أحد ولكني بكيت وقلبي بكى أكثر.

 

ماتت أمي وهي لا تذكُرنا، ولا تُفرق بيني وبين الممرضة في ذاك المشفى. غريبة أنا تماماً في حُجرتها أنال منها جملة من الأدعية للغريب والرضا على ذاك الغريب المُحسن لها. تعب أبي من بعدها، فمرض، فبكوا وبكيت أنا أيضاً. كنت بعيدة عن مكان إقامته واتصلت لأطمئن عليه، ولكنه لم يعرفني وأنا في الرابعة والعشرين من العُمر، ومات دون أن يتذكرني! فبكيت وبكى قلبي أيضاً.

 

فقدانهم لذكرياتهم معي كان أصعب وأشد من موتهم، أن يموت الشخص وينسى كل ما حوله وكل صغيرة مرت في حياته أقل ألماً من أن يعيش ولا يذكُر أكبر كبيرة من عُمره. من بعدهم تأملت مرضى الزهايمر، وآمنت يقيناً بأنه قد يكون أسوأ من أسوأ شيء قد يُصيبك. أن تتعطل ذاكرتك، ما الأسوأ؟

 

تأملت جيداً كل ما حولي وكل ما يحل بنا من مصائب ومواقف نتمنى زوالها، أشخاص نود بأن الصُدفة لم تجمعنا بهم أو أماكن نسأل الزمن أن يُبعدنا عن أي دربٍ يوصلنا إليها. نطلب من القوة أن تُنسينا ما نتذكر، وأن يضرب زلزال النسيان عُقر ذاكرتنا ليهدم كل ذكرى

أن تكون مبتور الساقين ولا تقوى على المشي أرحم من أن تتمتع بخطوة لا تعرف كيف تخطوها، أن تعيش عُمراً في تأسيس بيتٍ للعائلة وبين ليلة مرض وضُحى نسيان تقوم بطرد العائلة من البيت. في مرة من المرات طردت أمي أبي وطردتنا جميعاً من حُجرتها وظنت بأننا لُصوص نُريد سرقة سوار الذهب الذي ترتديه، ولكن ما من سوار في يدها أساساً.

 

تأملت جيداً كل ما حولي وكل ما يحل بنا من مصائب ومواقف نتمنى زوالها، أشخاص نود بأن الصُدفة لم تجمعنا بهم أو أماكن نسأل الزمن أن يُبعدنا عن أي دربٍ يوصلنا إليها. نطلب من القوة أن تُنسينا ما نتذكر، وأن يضرب زلزال النسيان عُقر ذاكرتنا ليهدم كل ذكرى! ولكني مُتعلقة بكل ذكرى وأخاف النسيان، أخاف أن أُنسى، في مرة من المرات بكيت على البيت الذي احتضن طفولتي في غُربتي التي لملمتني أنا وأمي وأبي من الشتات. جمعنا ذاك البيت في الغُربة والصحة والمرض وحتى الموت وكُنت أحقد على بلاطه. حين قرر أحد المسؤولين إعادة إعمار المنطقة كاملة بعدما رحلنا هُدت كل البيوت، وبيتي الذي رباني لعشرين عاماً بات تُراباً.. حتى البيت شاء أن يفقد ذاكرته معي..

 

قد لا أخشى أمراض الدُنيا من أن تُصيبني، ولكني أخشى الزهايمر. أخشى أن أرى الملعقة ولا أدري فيمَ تُستخدم، أن أرى كوب الماء ولا أربط علاقته بالعطش. حتى أن مُربعات السودوكو تجذبني لأني قرأت يوماً بأنها تُقوي الذاكرة. ولكني ما زلت أخشى النسيان. أخشى حتى أن تنساني الجمادات، أريد من السقف أن يذكرني ومن الشارع الذي عانق خطوتي أن يحفظني ومن علبة السكر التي تحتضنها أصابعي خمس مرات في اليوم ألا تنسى ملمسي.

 

قال محمود درويش: "تُنسى كأنك لم تكُن"، وأنا نُسيت تماماً وكأني لم أكُن يوماً.. ولكنهم في قلبي كما لو أنهم ما رحلوا لحظةً، ورائحتهم في رئتي كما لو أنهم في زجاجة عُطر في قفصي الصدري، وشعر أبي أُمشطه بين خُصل شعري، ولكني نُسيت كما لو أني لم أكُن.. ولن أنسى شيء، حتى رقم هاتف التُراب الذي كان بيتي لن أنساه ولن أحتاجه ولكنه سيبقى بمربع سودوكو بذاكرتي ما حييت.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.