شعار قسم مدونات

القدسُ تقبل من أتاها.. إلا أنا

blogs القدس

صباح الإثنين، سرتُ في حافلة من عناتا عابرًا من شعفاط الذي لم يعد مخيَّمًا نحو المسجد الأقصى، وفي الطريق، وبعد دوار الشهيد مهند الحلبي مررنا بمشفى أبو خضير "هداسا" سابقًا، وجامعة على دوابشة "العبرية" سابقًا، فإذا بأجراس تُقرع في مدرسة هديل الهشلَمُون للانتظام في الطابور الصباحي، وصوت نشيد الحرية يصدح منها: موطني.. موطني.. وبعد مسافةٍ ليست ببعيدة، توقفنا عند حاجزٍ يضعه جنودٌ مدجّجون بالسلاح، أجناسهم مختلفة وأجسامهم مشدودة، ومكتوبٌ على أكتافهم قوات التحرير ،مررنا بجانبهم بأمان أو أنَّه كذلك يبدو، إذ إنَّ وجهتنا معروفة، دخلتُ المدينة و صوت بائع عمانِي يبيع العنب لامرأة ليبية ويقول (خليلي يا عنب)، وبائع عطر صوماليٍّ يرش العطر الموريتاني على جاره السوداني الذي يبيع الحرير الخرساني، وبجانبه مطعم لطاهٍ تركي ورثه عن أمه المقدسية، وشرطيٌ من جزر القمر يساعد عجوزًا من البحرين كي تعبر الطريق.

وحين دخلنا البلدة القديمة فإذا بشاب مغربي يسير مع زوجته من نابلس نحو بيتهم في حي المغاربة، ومجموعة أطفال من طولكرم وحيفا يمسحون العبارات العبرية في حواري القدس القديمة، وخطّاط أردنيٌ وآخر إماراتي يزيلان اليافطات العبرية ويعيدان تلك العربية في أروقة البلدة وممراتها، دخلتُ من باب القطانين ورحت أجول في المسجد وكلّي شوق وحنين، فإذا بي ألمح حارسًا تونسيًا على باب المغاربة يرحّب بالداخلين والخارجين ويقول (يا مرحبا بيكم حنا والله نحبكم برشا) وصدحت المآذن بصوت الله أكبر تملأ المكان، وعند سبيل قايتباي وجدتُّ منظرا جِدُّ فتّان، امرأةٌ من أم الفحم تسقي القطط في الساحات، وتطعم الطيور كعكًا مقدسيًّا بعد أن جعلتْ منه فتات.

توجهتُ نحو المدرسة التنكزية وسمعتُ معلمًا يمنيًا يردد لطلبته بروية، (هاي الأرض مش للبيع مش للبيع أبداً مش للسمسرة)، ومعلم سوريٌّ في المدرسة الأشرفية يدرّس اللغة فيقول: (حرّر المسلمون القدس)، فالمسلمون فاعلٌ إن استيقظوا من سباتهم وعلامة رفعهم التزامهم بدينهم

توجهتُ للمسجد القبلي مع صوت إمامٍ من كردستان، يقرأ من سورة الصف بصوت تقشعر له الابدان (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، ورَجلٌ هنديٌّ قادم بسرعةٍ من سبيل الكأس بعد أن توضأ هناك كي لا تفوته الرّكعة، وبعد الصلاة بقليل توجهتُ نحو مهندسٍ ماليزي، فوجدته يرمّم ما يتساقط من فسيفساء، ويحرص على كل قطعة منها كأنهن له أبناء، طفتُ على المساطب فشدّني شيخ مصري على مسطبة عشاق النبي يقرأ بصوت ندِي، كما عبد الباسط، وكل الطلبة له منصتون، وعامل جزائري يشرف على بناء مسطبةٍ في الجانب الشرقي، اسمها المسطبة البهائية (نسبة لشهيد اسمه بهاء عليان)، و بجانبه مزارع مسيحي من لبنان أصوله مقدسية من آل جودة (وهم حملة مفاتيح كنيسة القيامة)يشرف على زراعة الزيتون والرمان ويستعد للذهاب للكنيسة، وعند القبة شيخ من غزّةَ يتلو سورة الفتح ،فهو يقرأها هنا في كل صبح.

ثمَّ بعد ذلك توجهتُ نحو المدرسة التنكزية وسمعتُ معلمًا يمنيًا يردد لطلبته بروية، (هاي الأرض مش للبيع مش للبيع أبداً مش للسمسرة)، ومعلم سوريٌّ في المدرسة الأشرفية يدرّس اللغة فيقول:(حرّر المسلمون القدس)، فالمسلمون فاعلٌ إن استيقظوا من سباتهم وعلامة رفعهم التزامهم بدينهم، ومعلمٌ مقدسيُّ في المدرسة العثمانية يدرس التاريخ ويعطي وظيفة لطلبته فيقول:(متى حرر المسلمون القدس؟) وعند باب السلسلة شركة سعودية وأخرى قطرية تشرفان على تقوية نفق(الحشمونائيم) واستغلاله للصرف الصحي، بسبب ازدحام المسلمين في المدينة بعد فتحها.

خرجتُ من باب السلسلة نحو ساحة كبيرة فوجدت أُناسًا محتشدين، يحتفلون بالذكرى السنوية الثانية لتحرير بلاد المسلمين ومنشدٌ عراقي يغني موالاً عراقيًّا حزينًا يرثي به من استشهد من المجاهدين، وكان تاريخ الذكرى مكتوبًا على يافطة كبيرة مضيئة مكتوب عليها: الحادي والعشرون من رمضان وكان يغطي السنة بالون طائرٌ كبيرٌ، مكتوبًا عليه: (عسى أن يكون قريبًا)، فانفجر البالون مع ضربة على كتفي من بندقية أمريكية بيد تلك المجندة الإسرائيلية القادمة من موسكو ،قائلة لي: أنت مرفوضٌ أمنيًا، وبعِبريّتها التي أجدناها لطول حكمهم، صرخت بي: (أتا لوخ بيتا!) أيْ ولِّ عائدًا لبيتك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.