شعار قسم مدونات

جَبَروتُ دَقيقة

blogs ساعة

في مَشهدٍ مِن فيلمٍ تضيع فتاة صغيرة تبلغُ من العمرِ ثلاثة أعوام في محلٍ للأثاث، تأتي الشرطة ومعها مُحققة وتطرح عدة أسئلة على والديّ الطفلة فوَجَهَت سؤالها للأُم: "أين كُنتِ لحظة اختفاء الطفلة؟  فأجابَت الأُم: "كُنا نتجادل وزوجي حول لون الكُرسي الذي نُريد، ثم أني لم أنشغل عنها لأكثر من دقيقة " فقالت المُحققة وعلامات التهكم قَد رُسِمَت على وجهها ويدها مُتكئة على خدها: "ولكن الدقيقة فترة طويلة"!

 

هَل فكرتكم يوماً بأنّ الدقيقة حقاً فترة طويلة، كانَت تِلك الدقيقة طويلة كفاية حتى يَتم خطف فتاة تَبعُد متراً واحداً فقط عَن والديها، طويلة كفاية بأن تُبعد السيارة عن مسارها لتُصبح كومة من حديد على طرف الطريق. وطويلة كفاية بأن تفصل حياة شخص عن مماتِه لحظة انهيار منزله فوق رأسه وحجر ثقيل يتصارَع مع صدره لمُدة دقيقة فازَ فيها الحجر، طويلة كفاية بأن يُسحب الجَنين من رحم أمه التي لم تستطع الدفع به بسبب مخدر أضعَف قوتها التي قلّلت من ضرباتِ نبض طفلها، وإن سألت التوأمان عن أعمارهِم سيجيبك أحدهم بأنه أكبر من توأمهِ بدقيقة!

 

ما يفصل شروق النجم الناري الضَخم المُلقب بالشمسِ عن لحظةِ غروبه دقيقة، وما يفصل صيامنا عن إفطارنا هي تكبيرة تنتظر دقيقة.. لا شيء حولنا وفي دُنيانا يستلزمُ أكثر من دقيقة.. ومع كل هذا نستهين بأهمية غالبية الدقائق المحشوة في ساعات يومنا. في مرة من المرات التي كانت أمي تتلقى فيها العلاج، طُلب منها عدة صور إشعاعية، ولكنها تُركت تحت درجة أشعة خاطئة لمدة لا تتجاوز الدقيقة فأُصيبت أمي بحروق من الدرجة الثالثة! في دقيقة! 

 

نحتار بين خيارات لا تُعد ولا تُحصى تُغرينا بطريقة نحتال بها على الوقت؛ وفي الحقيقة لا نحتال سوى على أنفُسنا وعلى أعمارنا التي سنلحظ بعد دقيقة من الوقت أننا جمّدناها في ثلاجة فاسدة

الدقيقة، ستون ثانية نستهين بخطوتها الصغيرة التي تدق بتكة صامتة جدار الزمن الذي يأكل عمرنا ولا نأكله. الوقت هو الجماد الذي يتغلب علينا في غالب الأحيان فالوقت يكسب الوقت ويبقى وقتاً مهما لفَّت عقاربه وبأي اتجاه تسلكه وعلى أي جدار يُعلق، يبقى الوقت وقتاً..  أما نحن فمع كل دورة للعقرب الصغير أو الكبير هو عمر يُسلب ولا يُرد ولا بأي فدية أو صُلح مع الزمن!

 

من المُؤسف حقاً أن نُفكر كيف نُضيع وقتنا، هل نختار النوم أم نميل لمُشاهدة حلقة أو حلقتين من مسلسل تُركي يمتد لساعتين؟ أم أنه من المُستحسن أن نختار بعضاً من ألعاب الڤيديو للتسلية أو أن نجلس خلف مقود السيارة نجول الشوارع المُعتمة علّ الوقت يجري قبل أن نُشغَل بالنوم؟!

 

نحتار بين خيارات لا تُعد ولا تُحصى تُغرينا بطريقة نحتال بها على الوقت؛ وفي الحقيقة لا نحتال سوى على أنفُسنا وعلى أعمارنا التي سنلحظ بعد دقيقة من الوقت أننا جمّدناها في ثلاجة فاسدة..  لا ضير من بعض التسلية بين دقيقة وأخرى، ولكن الضير أن تضيع كل الدقائق التي تصنع العمر في طرف تسلية ضائعة!  الدقيقة كفيلة جداً بأن تُحدث فرقاً في العُمر؛ حتى هذا الكون ينتظرُ صيحة واحدة، وفي لحظات لن تستطيع إرجاع أي جزء من الدقيقة. فالدقيقة فعلاً فترة طويلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.