شعار قسم مدونات

ثورة الطاقة

blogs - السعودية أوبك
في 17 أبريل من هذا العام أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح إطلاق كلا من مبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة والمركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة. قبل ذلك جاء في رؤية المملكة 2030 أن المملكة تطمح لأن تكون سوقًا ومصدرا للطاقة المتجددة. 
 
تستهدف المملكة توليد 3.45 غيغاواط كهرباء من الطاقة المتجددة بحلول 2020 و 9.5 غيغاواط بحلول 2023 كمرحلة أولى بما سيعادل أكثر من 10 % من إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة في المملكة ويوفر حوالي 56 مليون برميل وقود مكافئ، وبما سيولّد آلاف فرص العمل ويضيف إلى الاقتصاد المحلي.

تستهدف المملكة استخدام خمسة أنواع من الطاقة المتجددة هي: طاقة الرياح، والطاقة الشمسية الحرارية، والطاقة الشمسية الكهروضوئية، وتحويل النفايات إلى طاقة، والطاقة الجيوحرارية. إضافة إلى الطاقة المتجددة، فالمملكة في مرحلة دراسة الجدوى والتصميمات الخاصة بأول مفاعلين نوويين للأغراض التجارية بإنتاج إجمالي يصل إلى 2.8غيغاواط. هذه الأهداف العالية والتحركات الجادة من أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم لها دلالاتها الكثيرة.

قبل سنوات كان أغلب المطالبين بإيجاد المصادر المتجددة للطاقة هم المهتمون بالبيئة، وذلك لأن إصدار الطاقة عن طريق الوقود الأحفوري (كالنفط والفحم والغاز) يتسبب بانبعاثات ثنائي أكسيد الكربون المضرة بالبيئة والمسببة للاحتباس الحراري. ولكن في تلك المرحلة واجهت هذه المصادر المتجددة تحديات كبيرة منها ارتفاع أسعار التكلفة، وعدم وجود تقنيات مناسبة لتخزين الطاقة ونقلها لمسافات بعيدة كونها متقطعة وغير مركزة، وغيرها.

توليد الطاقة عن طريق الموارد الطبيعية المتجددة التي يملكها العالم كله وإن بنسب مختلفة كأشعة الشمس والماء والرياح، وتخزين الطاقة في البطاريات الحديثة والسيارات الكهربائية، وتوزيع الطاقة عن طريق شبكات ذكية يقل فيها إهدار الطاقة.

اليوم وبعد سنوات من الدراسة والبحوث والتجارب تغير الوضع كثيرًا، فلم يعد الاستثمار في الطاقة المتجددة استثمارًا أخلاقيًا للحفاظ على البيئة فقط، بل أصبح الاستثمار فيها مفيدًا حتى من الناحية الاقتصادية. تراجعت التكلفة بنسب عالية وأوجدت الكثير من الحلول للإشكالات السابقة. ففي الوقت الذي لا زالت بعض الدول في الغرب تهتم بكون الطاقة المتجددة صديقة للبيئة، فإن دولًا كالهند والصين ما يهمها حقيقة هو الفوائد الاقتصادية الكبيرة التي تقدمها.

أحد أسباب هذا التغير يعود لألمانيا أولا ثم لبعض الدول والمؤسسات الأخرى التي قدمت المعونات المالية للاستثمار في الطاقة المتجددة في وقت لم يكن الاستثمار مجديا من ناحية مادية. اليوم أصبحت التقنية الحديثة منتجة للطاقة وبأسعار تكلفة منافسة، وباستمرار العائدات المتسارعة والتقدم التقني تقل التكاليف تصاعدياً.

أطلقت ألمانيا مبادرة للانتقال من الوقود الأحفوري والطاقة النووية إلى الطاقة المتجددة بالكامل وبأسعار تنافسية بحلول 2050 وباستثمار نحو 550 مليار يورو. في الوقت الحالي نجحت ألمانيا في الحصول على 28% من كهربائها من مصادر طاقة متجددة، وتطمح للوصول إلى 40 % بحلول 2025. وفي 30 إبريل وفرت ألمانيا ما معدله 85 % من إجمالي الطاقة في البلاد في ذلك اليوم عن طريق الطاقة المتجددة. لذلك يتوقع المراقبون أن تحقق ألمانيا أهدافها بأسرع مما هي عليه الآن.

الصين كذلك أصبحت أكبر مولد للكهرباء بالطاقة الشمسية في العام الماضي. إدارة الطاقة الصينية قالت إن بكين ستستثمر حوالي 361 مليار دولار في توليد الكهرباء بالطاقة المتجددة وأن هذه الاستثمارات ستولِّد حوالي 13مليون وظيفة. في الولايات المتحدة التزمت عدد من المدن والولايات وحتى الشركات الكبرى بتحقيق 100 % أو أهداف كبيرة أخرى من الطاقة المتجددة على مدى السنوات المقبلة. وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من الدول حول العالم. الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إرينا) أعلنت أن أعداد الوظائف في هذا القطاع بلغت 9.8ملايين وظيفة حول العالم في 2016، وتوقعت أن تبلغ 24مليونا في2030.

اتفاقية باريس لتغير المناخ للحد من الاحتباس الحراري بلا شك ستعزز كذلك من انتشار الطاقة المتجددة. تعتبر اتفاقية باريس أول اتفاق عالمي بشأن المناخ. أبرز أهداف الاتفاقية هي الحد من ارتفاع الحرارة "أدنى بكثير من درجتين مئويتين"، ومراجعة تعهدات الدول كل خمس سنوات، وزيادة المساعدة المالية للدول النامية لتمويل انتقالها إلى الطاقة النظيفة. بعض جوانب الاتفاقية، كتحديد وتقديم أهداف لخفض الانبعاثات وكذا المراجعة الدورية للأهداف ملزمة قانونيا، ولكن الأهداف التي حددتها الدول غير ملزمة. كل هذا الحراك والتغيير يؤكد أننا أمام ثورة حقيقية في عالم الطاقة.

الثورة الحالية في عالم الطاقة هي باختصار شديد:
انخفاض تدريجي لمدى قوة وتأثير موارد الوقود الأحفوري (كالنفط وغيره) في عالم الطاقة وارتفاع تدريجي متسارع لمدى أهمية وتأثير التقنيات والمعلومات الحديثة التي تُستخدم لتوليد وتخزين وتوزيع وترشيد الطاقة. توليد الطاقة عن طريق الموارد الطبيعية المتجددة التي يملكها العالم كله وإن بنسب مختلفة كأشعة الشمس والماء والرياح، وتخزين الطاقة في البطاريات الحديثة والسيارات الكهربائية، وتوزيع الطاقة عن طريق شبكات ذكية يقل فيها إهدار الطاقة، وترشيد الطاقة عن طريق الاستخدام الفعال للطاقة باستخدام كمية أقل منها لإنتاج نفس التأثير. لذلك تتسابق الدول حول العالم في امتلاك وتوطين هذه التقنيات لتصبح مصدّرًا للطاقة وتقنياتها، تماما كما تفعل الآن الدول المصدّرة للموارد.

الابتعاد عن الاعتماد الكلي على النفط لإنتاج الطاقة كان ولا يزال هدفا للحكومة السعودية. بحسب تقرير منظمة الطاقة الدولية فإن السعودية تحرق حوالي 900 ألف برميل نفط يوميا في فترة الصيف، معظمها للتكييف وتحلية المياه، مع زيادة صرف سنوية بحوالي 4 إلى 5 %.

الاستثمار في الطاقة المتجددة فرصة استثمارية حتمية للملكة تواكب مسار التحول في عالم الطاقة، وتجعل من المملكة رائدًا في تصدير الطاقة كما هي في تصدير النفط، وتسهم في الحفاظ على الموارد النفطية من الاستهلاك المحلي.

في إبريل 2010 أنشأت المملكة مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة بأهداف طموحة جدا لتنويع مصادر الطاقة تأخر تحقيقها. ذكر تقرير مكنزي أن تأخر تطبيق خطط تنويع مصادر الطاقة كان بسبب الخلافات بين أصحاب المصلحة من وزارات ومؤسسات مختلفة، فبعد الإعلان عن الخطط تختلف المؤسسات المختلفة فيما بينها في مدى اختصاصاتها وأدوارها في تطبيق الخطة دون الوصول لنتيجة.
ولكن التغيير الوزاري الأخير بتغيير مسمى وزارة البترول إلى وزارة الطاقة، وضم الكهرباء والصناعة، وكون وزير الطاقة الآن أصبح رئيس مجلس إدارة مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة يجعل وزارة الطاقة في مركز تستطيع من خلاله حل هذه الإشكالات.

اليوم أصبحت الأهداف الموضوعة أكثر واقعية، وبدأت بعض النتائج بالظهور. في 17 يناير أعلنت أرامكو عن تدشين أول توربين في المملكة لتوليد الطاقة من الرياح. وفي 17إبريل أعلن وزير الطاقة عن وجود 30 مشروعًا لتطوير وصناعة وتصدير التقنيات المتقدمة في مجال إنتاج الطاقة المتجددة تنفذ بين العام الحالي و2023 وتبلغ قيمتها الإجمالية بين 30 و50 مليار دولار. وأطلق الوزير وثائق مناقصات مشروع سكاكا للطاقة الشمسية (300 ميغاواط)، وأعلن عن مناقصة مشروع لطاقة الرياح (400 ميغاواط). كما كشف عن بعض تفاصيل المرحلة الثانية من البرنامج بطاقته الإجمالية 1200ميغاواط، بداية بمشروعٍ لطاقة الرياح (400 ميغاواط) في دومة الجندل، خلال الربع الأخير من 2017. وتليها مشاريع عدة للطاقة الشمسية، في مواقع مختلفة وبطاقةٍ إجماليةٍ تبلغ 620 ميغاواط.

كذلك فإن المملكة عضو في اتفاقية باريس حيث وافقت على تقديم الجهود لخفض 130 مليون طن من الكربون بحلول 2030، أي بنسبة 26 %.

الاستثمار في الطاقة المتجددة فرصة استثمارية حتمية للملكة تواكب مسار التحول في عالم الطاقة، وتجعل من المملكة رائدًا في تصدير الطاقة كما هي في تصدير النفط، وتسهم في الحفاظ على الموارد النفطية من الاستهلاك المحلي، وتسهم في خفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري ضمن الجهود العالمية لتخفيف التأثيرات على المناخ التي أقرتها الاتفاقية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.