شعار قسم مدونات

رمضانانِ وثُلث!

blogs الحرية للأسرى
قالَ نبيُّ اللهِ يوسفُ حينَ دعتهُ النسوةُ إلى الإثمِ والفاحشة: "رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ"، فاستجابُ لهُ اللهُ وصرفَ عنهُ كيدهن، ولبثَ في السجنِ بعدَ ذلكَ بضعَ سنين، فلمّا خَرجَ مكّنَ اللهُ لهُ في الأرضِ وجعلهَ على خزائنُ المِلكِ أمينا.
 
كُلُّ العالمِ أصبحَ امرأةَ العزيز، والأسرى صاروا يوسفَ! العالمُ كُلّهُ غافلٌ مُتناسٍ، وأمعاءُ الأسرى أبَت أن تقبلَ طعامًا فيهُ ذُلّها وهوانها، تلكَ الأمعاءُ الخاويةُ طعامًا، المُمتلئةُ شَرفًا وإصرارًا. إنِّهُ سجنٌ كبير، هذا ليسَ وطنًا، ليسَ ثمّ حرّيةٌ فيهِ إلّا لمن سعوا إليها، فكان أن سَعينا عليهم مع أعدائنا!

لَم يَختَر أحدٌ السّجنَ بيده ولم يطلبه، ولكنّهُ كانَ تحصيلًا لمرحلةٍ كانَ يعرفُ كلّ مُقدمٍ أنّه سيمرّ بها في أيّ وقت، مرحلةٍ رَفضَت أن تسكتَ أمامَ الأصواتِ الّتي لم يردَّها ابنُ حقّ، ولم يقف في وجهها ذو إباءٍ وشَرَف، فكانَ أن ضحّوا بأنفسهم، وقرّروا مُدركينَ مآلاتِ الطِريقِ الصّبرَ وتحمّلَ العواقب، فكانُ السّجنُ مصيرَهم المُقدّر، ولم نزدَد بعدَهم إلّا ظلمةً بعد ظلمة، بينما كانوا يشقّونَ النّورَ حيثُ يسيرون، لا يضرّهم من خَذًلهم، ولا تضيرُهم قيودٌ لا يرونَها إلّا نصرًا قريبًا.

بِمَن ستشعرونَ في صيامكم أيّها الأسرى، بنا؟! باللهِ عليكم اتركونا صاغرين؛ فللعيشِ ثلاثةُ رجالٍ، رجلٌ لقيَ مناهُ فجعله اللهُ حيّا عنده، ورجلٌ مضى في سبيل الله فكان السّجنُ قَدره، ورجلٌ ما زالَ ينتظرُ.

إنّهُ اليومُ الأربعون، رمضان وثلثٌ قبلَ رمضان، الأسرى وحدَهم، إنّهم كذلك حقا، حتى كلماتي هذهِ سَتُضربُ عرض الحائطِ لأنّها لا تُغيّر ولا تُبدّل، خَذلَ أهلُ البنادقِ بنادِقَهم فأصبَحت للطّربِ واللّهو، واستمتعَ السّياسيّون بسياستهم فماطلوا وطوّلوا، ندّدَ النّاسُ في أحلامهم، جميعُنا لم نقبَل، لكنّنا لم نقبل ساكتين، رفضنا أمامَ هواجسنا، وصرخنا في مرآتنا، ثُمّ أكملنا أيّامنا مُنتصرين!

كَم كُنتَ وحدَكَ يا أسيرْ؟! وحدَه صوتُكُ الّذي ضجّ قضّ مضاجعَ الأوباش حُرٌّ طَليق، كُلّ حَيٍّ مَيْتٌ في حُضورك؛ فاترك شهيقَكَ وأحيِنا! كانَ ممّا تَوارثناهُ طَوالَ عُمرِنا أنّ الصّيامَ شعورٌ بالجائعين الفقراء، وأنّه تصبيرٌ للنفس، وكبحٌ للشّهوات والرّغَبات، فهل يغفرُ لنا الشّهرُ الفضيلُ آثامنا وسكوتنا؟ وهل يُسامُحنا الأسرى لخذلاننا لهم وتركهم وحيدينَ إلّا معَ مبادئهم الشريفة؟!

بِمَن ستشعرونَ في صيامكم أيّها الأسرى، بنا؟! باللهِ عليكم اتركونا صاغرين؛ فللعيشِ ثلاثةُ رجالٍ، رجلٌ لقيَ مناهُ فجعله اللهُ حيّا عنده، ورجلٌ مضى في سبيل الله فكان السّجنُ قَدره، ورجلٌ ما زالَ ينتظرُ سبيله مُضمرًا ما أضمَرَ مَن قبلَه مِن فداءٍ وإخلاص، فأيننا نحنُ من هؤلاء؟!

سُبحانَهُ جلّ في علاه، كما مكّن ليوسفَ بعد سجنهِ فإنّهُ ممكّنهم ولو بعد حين، وإنّ كُلّ قادرٍ تغافلَ لَمُلاقٍ حِسابه، وسيقتصّ السّجنُ بمن فيهِ مِن كُلّ حاكمٍ تكرّش من خلفِه ومن أمامه، ومن كلّ ثائرٍ صدئ سلاحُهُ، ومن كلّ مواطنٍ نامَ قائلًا: اللهّم نفسي. إنّما هيَ غايةٌ عُظمى، أو موتٌ كريمٌ. أختمُ ببيتينِ لامرئِ القيس:

بكى صاحبي لمّا رأى الدّربَ دونَهُ
وأيقنَ أنّا لاحقانِ بقيصرا

فقلتُ لهُ لا تبكِ عينُكَ إنّما
نُحاولُ مُلكًا أو نموتَ فنُعذرا

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.