شعار قسم مدونات

هل ستحدث ثورة بروتستانتية في الإسلام؟

مدونات - مصحف
لعلنا نحن أكثر أمم الأرض قياما بحاولات الإصلاح، وإن كان نجاح الإصلاح يتفاوت من محاولة لأخرى إلا أن لحظات مفصلية برزت في تاريخنا الطويل تزامنت مع تلك الجهود، وتغيّر تبعاً لذلك الكثير، إنْ على المستوى الفكري أو الميداني، وأستطيع أن أعدد أقوى عشر حركات للإصلاح في تاريخنا وهي:

1- تحول الخلافة إلى ملَكية وراثية سنة 40 للهجرة
2- انحسار دور العرب في الإسلام بظهور الدولة العباسية
3- بروز المعتزلة
4- موجة رد الفعل السلفية على المعتزلة
5- موجة التصوف
6- سقوط الأندلس وبروز دولة الموحدين
7- الحركة الوهابية في بلاد الحجاز
8- النهضة العربية
9- الموجة الإصلاحية لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وتوابعها في المغرب العربي
10- ظهور تيار الصحوة أو حركات الإسلام السياسي

ربما لم يئن بعدُ زمان ذلك النوع من الإصلاحيين الدينيين الذين سيتمتعون بالجرأة على الغوص في الأعماق، غير أن ذلك الزمن لابد آت.. ويجب أن يعجّل بالمجيء.

طبعا لا ينبغي أن نغفل حركات أخرى كان لها أثر لا ينكر، مثل حركة الخوارج في صدر الإسلام، ومذاهب الشيعة، وحركات التحرر من الاستعمار حديثا.. والملاحظة الأبرز التي يلمحها الدارس أنّ كل تلك الحركات ارتبط نجاحها بقوة الحاكم، فالحركة التي يتبنّاها حاكم قوي تنجح وتُفرض رؤاها بقوة القهر السلطاني، في انتظار أن تُنقض على يد حاكم آخر يتبنى نهجَ خصومها.. وهكذا.

فأمتنا إذاً توالت عليها محاولات الإصلاح، غير أنها لم تشهد حتى الآن "إصلاحا دينيا" بمثل ذلك العمق الذي حدث في أوروبا في القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر كينغ، وذلك لا يعود في رأيي إلى عدم حاجتنا إليه، بل لغياب الجرأة الكافية لدى الإصلاحيين على تناول الأسئلة المعلقة، والذهاب بعيدا في البحث عن أجوبتها.

كانت أبرز أفكار مارتن لوثر كينغ تقوم على رفض "السلطة التعليمية" في الكنيسة الكاثوليكية والتي تنيط بالبابا القول الفصل فيما يتعلق بتفسير الكتاب المقدس، معتبرًا أنّ لكل امرئ الحق في التفسير، وقال أيضا أنّ الكتاب هو المصدر الوحيد للمعرفة المختصة بأمور الإيمان. (من كتاب "ماذا قال لوثر كينغ" لمؤلفه إيوالد بلاس).

فهل هناك حاجة لمثل ذلك في الإسلام؟
نعم نحن بحاجة إلى ما يشبه الثورة البروتستانتية في الإسلام، لأن هناك احتكاراً لتفسير القرآن من طرف من يعرفون بالشيوخ، والذين تحولت أقوالهم وتفسيراتهم إلى مصادر لا تُناقش، كما أن طغيان المرويات على التراث الديني زحزح مكانةَ القرآن الكريم بل وحجّم الكثير من رؤاه وصياغاته للتشريع.

فرفْضُ ذلك الاحتكار الجائر صار أمراً لازما، لأنه احتكار مؤدّاه تثبيتُ قبضة الاستبداد والقهر السياسييْن، وحمايةٌ للقوى الفاسدة بأسوارٍ من الدين، تماما مثلما كانت عليه أوروبا في عصور الظلام.
تاريخيا لم تهيمن الروايات على التفكير الديني للمسلمين إلا بعد حوالي 100 سنة من وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، أي عندما بدأ تدوين السنة، وبالموازاة من ذلك طوّر الشيعة دينا مادته الأساسية مروياتٌ تُنسب لآل البيت، ومعنى ذلك ببساطة حدوث انحراف عن حال المسلمين في القرن الأول -وهو خير القرون- الذين كانوا يعتمدون على القرآن الكريم فحسب.

لقد أصبحنا بحاجة إلى جيل من الإصلاحيين الدينيين الذين يذهبون مباشرة إلى مكامن الداء، إلى ذلك الفهم الديني المتشكل من تراكم المرويات والأقوال، والتي أصبحت دينا داخل الدين.

ونشأ تبعا لذلك الاكتساح الكبير للمرويات طبقةٌ جديدة من رجال الدين عُرفوا بأهل الحديث، وشيئا فشيئا آلت لهم حصريا مهمة الفهم الديني، وأُعلنت الحرب المقدسة على الفكر والفلسفة، بل وعلى العقل، وفي ذلك الجو الخانق نشأ وترعرع الاستبداد السياسي وحليفُه الوفي الاحتكار الديني.

إن ذلك الوضع الاحتكاري لتفسير النص الديني نجم عنه كارثة فكرية بالمعنى الصحيح، وانعكس ذلك بوضوح على الوضع السياسي للدول المسلمة مما مهد لحالة التمزق والتفتت في الكيانات الإسلامية، كما فتح الباب واسعا لتغلغل القوى الاستعمارية حتى تمت الهيمنة الكاملة على الأمة.

وخلال ذلك أيضا دب الخلل الفكري حتى لدى من يزعمون القيام بالإصلاح حيث أصبح قصارى ما يريدونه هو استحضار تلك المرويات التي سادت وهيمنت في عصور لم تكن بالضرورة فاضلة، وكأن غاية المُنى لديهم أن يستنسخوا مرحلة تاريخية غابرة بكل نصوصها وأثقالها..!

لقد أصبحنا اليوم بحاجة إلى جيل من الإصلاحيين الدينيين الذين يذهبون مباشرة إلى مكامن الداء، إلى ذلك الفهم الديني المتشكل من تراكم المرويات والأقوال، والتي أصبحت دينا داخل الدين، بل وحجبت الرؤية الدينية النقية التي حملها الكتاب المعصوم وصاغ بها خير أمة أخرجت للناس.

ربما لم يئن بعدُ زمان ذلك النوع من الإصلاحيين الدينيين الذين سيتمتعون بالجرأة على الغوص في الأعماق، وربما لا تزال الأمة غير مستعدة لصدمة بذلك الحجم، غير أن ذلك الزمن لابد آت.. ويجب أن يعجّل بالمجيء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.