شعار قسم مدونات

حين تصنع الصدف تاريخنا وحاضرنا البائس

blogs - البوعزيزي
قد يبدو للوهلة الأولى ضربا من التفاهة وقمَة في السخافة أن تكون رصاصتين من مسدس نصف أوتوماتيكي بلجيكي الصنع، سببا في مقتل أكثر من 16 مليون إنسان، وجرح 20 مليون آخرين، وعاملا حاسما في تغيير جذري لجزء مهم من خريطة العالم فيما يعرف بالحرب العالمية الأولى وبعدها الثانية.

وقد نظن الأمر نكتة سمجة أن تكون صفعة، وهي من النوع الذي يحدث عادة ويمر مرور الكرام، من طرف شرطية على وجه شاب من وسط فقير

، سببا في سقوط أنظمة حكم وشهداء وجرحى بالملايين، بل وسقوط أقنعة كثير من دول العالم التي تتبجح بقيم الديمقراطية دونما مناسبة.
هذا النوع من الأحداث هو ما يمكن إدخاله في باب "رُبَ صُدفة خير من ألف تخطيط". إنها مجرد أحداث عادية جدا لكنها تقع في سياق زمني ومكاني يشوبه التوتر والغموض، لتليه زلازل غير متوقعة، وعواصف تقلب الأمور رأسا على عقب. فاغتيال وليً عهد النمسا وزوجته من طرف طالب صربي في أحد أيام صيف عام 1914، هو حدث قد يكون عاديا إذا ما قُورن بالمجرى الكارثي الذي أخذته التطورات فيما تلا ذلك من سنوات قاسية جدًا على البشرية.

الحديث عن منطق الصدفة ودورها في صناعة التاريخ، أمر ليس بتلك السطحية، فكلَما غُصنا في التفاصيل القبْلية والبعْدية (أي قبل وبعد حدوث أي شرارة) على حد سواء، نجد أن ثمَة مجموعة حلقات مفقودة متعلقة بالسياق العام.

أما صفعة الشرطية التونسية على وجه مواطنها الشاب "محمد البوعزيزي" إنما هو شيء غاية في الإعتيادية إذا ما نظرنا إلى ما تبعه من مسلسل طويل من الأحداث "المتدحرجة"، بدأت بفسحة انتعاش وبارقة أمل في التغيير خرجت من العدم، ولازالت حلقاته مستمرة بعد أن انقلبت الأمور الى "تراجيديا" مُحزنة على عدة جبهات، بانتكاس ثورات وقيام أخرى مضادة، ونشوء دول فاشلة زادت الطين بلَة في عالم يبرع في صُنع الأزمات ولا يتحلى بالجدية اللازمة لحلًها حين يتطلب الأمر ذلك.

وفي حقيقة الأمر، لم يعد كما يقال "لكل زمان رجاله"، بل "أصبح لكل زمان صُدفه"، إذ أصبح شيئا عاديا أن تأخذ الأمور في كل مرة مناح غير اعتيادية، عن طريق صُدف لا يتوانى المتربًصون في استغلالها لتحقيق مآرب "جيوستراتيجية"، أو جرَ مناطق معيَنة نحو حروب ونزاعات تخسر فيها كل الأطراف المعنية بها في نهاية المطاف، ليظهر في آخر "الردهة" صُنَاع سلام مفترضون يتدخلون باسم الإنسانية والسَلم العالمي، وهم في حقيقة الأمر يخدمون أجنداتهم الخاصة على أرض الواقع، ويرمون بكل ثقلهم ليقتاتوا على أنقاض الدمار الذي خلَفوه. وهناك أمثلة كثيرة تُزكي هذا الطرح، ليس فقط تلك التي لها علاقة بالربيع العربي، بل أيضا في عديد من بؤر التوتر الساخنة و"الساكنة" التي كان ولا يزال يعيشها العالم.

غير أن الحديث بشكل مطلق عن منطق الصدفة ودورها في صناعة التاريخ، أمر ليس بتلك السطحية التي قد تتبادر إلى ذهن القارئ، فكلَما غُصنا في التفاصيل القبْلية والبعْدية (أي قبل وبعد حدوث أي شرارة) على حد سواء، نجد أن ثمَة مجموعة حلقات مفقودة متعلقة بالسياق العام الموجود أساسا. فالعالم بداية القرن العشرين كان يعيش على وقع تنامي الفكر الاستعماري وطموح كثير من القوى في الهيمنة على المشهد، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاستعمارية، كما تشكَلت تحالفات مُعلنة وغير مُعلنة، غير أن حادثة الاغتيال الشهيرة كانت حجر الزاوية الذي أظهر الكلَ على حقيقته.

البوعزيزي أراد له القدر أن يكون "الصُدفة" المناسبة في سياق زمني ميَزه تنامي نزعة من التذمر والاستياء من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المزرية في أغلب دول العالم العربي

وتوالت الأحداث كما يعرفها الجميع حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، فسقطت الخلافة وقامت الجمهورية في تركيا، وقامت الحرب العالمية الثانية، وداقت اليابان مرارة القنبلة الذرية أولى أسلحة العهد الجديد، واندحرت ألمانيا، وتكرَست الهيمنة الأمريكية والسوفياتية على العالم ما قبل الحرب الباردة وإبَانها، في حين قطفت الدول "الجديدة"، ومنها العربية، ثمار حركاتها التحررية، واختفت أيقونة القوى العظمى الاستعمارية، وتكوَن مجتمع دولي على أنقاضها، وأُسست منظمة الأمم المتحددة للحفاظ على السلم والأمن فيه…

ذات الأمر ينطبق على حالة الربيع العربي، فالبوعزيزي أراد له القدر أن يكون "الصُدفة" المناسبة في الوقت والمكان المناسبين: سياق زمني ميَزه تنامي نزعة من التذمر والاستياء من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المزرية في أغلب دول العالم العربي، بالموازاة مع تنامي تأثير واضح لوسائل التواصل الاجتماعي وما وفَرته من هامش حرية غير مسبوق عبر وسائل التعبير الاعتيادية. أما السياق المكاني فهو الرقعة الجغرافية التي يريد الغرب أن يجعلها دائما محط صراع وتوتُر بما يخدم مصالحه وأجنداته فيما نصطلح عليه نحن مؤامرة الغرب على العالم العربي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.