شعار قسم مدونات

دموع في محراب وسائل التواصل

BLOGS- - كمبيوتر

لقد عانت دول العالم وعلى مدى عقود طويلة من عزلة حقيقية، حالتْ دون التواصل الإيجابي وتبادل المعلومات والتجارب والمشاعر بطريقة سهلة سريعة، وعندما جاءت وسائل التواصل الاجتماعي كانت البشرية بحاجة إلى وسيلة جديدة للتواصل، تنسيها زمناً طويلاً من العلاقات الواقعية القائمة على الطبقية الاجتماعية المقيتة، وتفتح لها بوابة جديدة لتاريخ من العلاقات الافتراضية المبنية غالباً على المعرفة والوعي. لكن الملاحظ أن هذه الوسائل -رغم فائدتها التي لا ينكرها إلا متكبرٌ معلوم التكبر- كانت سبباً في التأسيس لكثير من الأفكار والعادات السيئة التي تضر الإنسان أكثر مما تنفعه.
 

إقبالٌ مفرط
جاءت وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة مجددة للقرن21، وأقبل بعض الناس عليها إقبالاً مفرطاً يفوقُ إقبالهم على الصلاة المكتوبة، فأصبح البعض يتبتل في محراب هذه الوسائل حتى تسيل دمعته من شدة التركيز والمتابعة، لكنه في المقابل يعاني من جفاف شديد في عينيه حين يكون في محراب المسجد أو بين يديْ المصحف، تراهُ يشعل قناديل وسائل التواصل الاجتماعي ويطفئ "قناديل الصلاة"، يغلق نافذة التواصل مع الله ويفتح نافذة مع وسائل التواصل، فيعيش في ظلام دامس، لكنه لا يشعر. ليس مستحيلاً أن ترى واحداً من هؤلاء الرواد يذرفُ دموع الحسرة في كلِّ واد بسبب انقطاع تواصله مع اسم مستعار لا يستطيع أن يجزم هل هو رجل أم امرأة أم "خنثى مشكل" على لغة الفقهاء، لكنك لن تجده -في غالب الأحيان- يذرف دموع الحسرة والخيبة والحرمان على انقطاع صلته بالقرآن.

قد يقول بعض المتسرعين في إطلاق الأحكام على البشر إنني لم أكن موضوعياً في وصف حالة رواد وسائل التواصل الاجتماعي، لأني أطلقتُ أحكاماً قمة في المبالغة، لكنني متأكد جداً أنه سيكتشف عكس ذلك تماماً إن هو استعاد شريط آخر يوم من يومياته مع أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
 

توجد في وسائل التواصل الاجتماعي كيانات مشابهة للدولة بمعناها القانوني البحت، فهناك دولٌ تملك حيزاً افتراضياً، وشعباً، وحكومة، ودستوراً ينظم شؤون المنتمين لهذه الدولة الافتراضية، ويحدد صلاحيات وحقوق كل فرد يعيش على رقعتها.

لعل السبب في الإقبال المفرط والمؤسف على وسائل التواصل الاجتماعي يكمن في كونها حملت في طياتها أحلاماً كثيرة للشباب بشكل عام والعربي بشكل خاص، وحققت له طموحات كان يظنها ضرباً من المستحيل، منها أن الكون أصبح قرية واحدة، والمعلومة أصبحت متاحة بمجرد ضغطة زر. دخل شبابنا هذا العالم المليء بالحيرة والشك، وفي لمح البصر أصبح لا يملك شيئاً من أمر وقته، تراهُ تائهاً في خرائط هذا العالم المضللة، لا يدري من أين يبدأ، ولا إلى أين ينتهي، بينما ترى شعوباً أخرى تطور وتبتكر.

دولٌ افتراضية
جولة سريعة في خرائط وسائل التواصل الاجتماعي تكشف عن حقيقة صادمة، مفادها أن الشباب العربي استطاع أن يبدع في تأسيس دول افتراضية عديدة، لكنه فشل في التأسيس لفكرة دولة ناجحة في أي ركن من أركان المعمورة. المؤسف جداً في هذا السياق أنك ترى الشاب العربي ينتشي فرحاً بإنشاء دولة افتراضية، وتحس من نشوته تلك وكأنه أعاد إلى الأمة الإسلامية مفاتيح الأندلس، أو حرّر الأقصى، وهو عاجزٌ عن تحرير نفسه من سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، التي استعمرت وقته، ووأدت فيه الطموح والإيجابية.

بصراحة، خجلت من نفسي جداً كشاب عربي عندما رأيتُ صورة الشاب الفرنسي الطموح ماكرون وهو يتسلم واقعياً -وليس افتراضياً- رئاسة دولة فرنسا العظمى، بينما أرى طموح شبابنا العربي مقتصراً على متابعة الأحداث والكتابة عنها في إحدى دوله الافتراضية، وكأنّ هذا الشاب الذي يعاني من فقرٍ في الطموح يريد أن يقول بطريقة غير مباشرة: أنا لا أصلح للقيادة وليست لديّ القدرة على حثّ الجماهير من أجل السير "إلى الأمام"، يمكنني فقط تدوين لحظات صعود الآخرين إلى القمة، من خلال وسائل هي من ابتكاراتهم.

في الحقيقة توجد في وسائل التواصل الاجتماعي كيانات مشابهة للدولة بمعناها القانوني البحت، فهناك دولٌ تملك حيزاً افتراضياً، وشعباً، وحكومة، ودستوراً ينظم شؤون المنتمين لهذه الدولة الافتراضية، ويحدد صلاحيات وحقوق كل فرد يعيش على رقعتها، وقد تجد في بعض المجموعات دستوراً مقدماً من طرف الحكومة الافتراضية كي يتم الاستفتاء عليه من قبل الشعب والموافقة على بنوده، وغالباً ما يكون لهذه المجموعات يوم للاحتفاء بميلاد الدولة، وقد ينشدون أناشيد إرهاصات النشأة والتأسيس، ويوزعون صور الزعماء والقادة المؤسسين، وكأني بهؤلاء وهم يحاولون -من خلال هذه الترهات- التغلب على الهزائم النفسية التي يلاحقهم كابوسها بين الفينة والأخرى.

لا يقتصر الأمر على هذا فقط، بل هناك أشياء أخرى غريبة، تتمثل في صراعات تافهة يسعى بعض الرواد من ورائها إلى إثبات وجوده وتعزيز مكانته بين نظرائه افتراضياً بعد أن عجز عن ذلك واقعياً، ولو أنهم وظفوا هذا الوقت الثمين لربحوا وجوداً ومكانة أكثر فائدة عليهم وعلى الأمة. أعتقد أن مثل هذه الحالة التي يعاني منها كثير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي لا تعدو كونها حالة نفسية تصيب من يعانون انفصاماً في الشخصية، يحاولون القضاء عليه من خلال التواصل الاجتماعي، ولكني أقولهم: حالتكم تحتاج علاجاً نفسياً بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي، فابحثوا لكم عن العلاج في مظانِّه.

بطولات مزيَّفة
تعجُّ وسائل التواصل الاجتماعي بقصص وبطولات كثيرة، ليس هذا مقام إحصائها واحدة تلو الأخرى، لكنني سأكتفي بالإشارة في ختام هذه المقالة إلى نموذج واحد. بالطبع تختلف البطولات باختلاف البيئة الاجتماعية وفريق الإعداد، لكن هذه البطولات وإن اختلفت من ناحية الفريق والبيئة إلا أنها قد تتفق من زاوية المضمون، نظراً لأن خيال المجتمعات العربية -على اختلافها- ينطلق من منطلق واحد في أكثر الحالات.
 

أحد الرواد أتى ذات يوم لأسرة فطلب يد ابنتها للزواج، وعندما سألوهُ عن وظيفته قال لهم بكل ثقة: أنا "مدير" فوافقت مبتهجة على طلب الزواج، ولكن سرعان ما تكتشف الأسرة أن خطيب ابنتها مجرد "مدير جروب" في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي.

في سياق الأحاديث الاجتماعية التواصلية تسري إلى أسماعنا من حين لآخر قصصٌ مليئة بالطرافة والخرافة في آنٍ واحد، ورغم صعوبة تصديق هذه القصص إلا أنها تظل تعكس جانباً كبيراً من سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي على مخيلة الإنسان العربي اليوم، كما أنها تؤكد قابلية العربي لتقبل الخرافات حتى في القرن21، وهنا أطلب منكم أن ترفعوا أكفَّ الضراعة وتدعو الله أن يلهم العربي رشده وأن ينهي صلاحية موهبته في تقبل الخرافات في أقريب وقت.
 

من بين هذه القصص، أن أحد الرواد أتى ذات يوم لأسرة فطلب يد ابنتها للزواج، وعندما سألوهُ عن وظيفته -وسؤال الوظيفة هو الأهم في حياتنا اليوم للأسف، بخلاف سؤال الدين- قال لهم بكل ثقة: أنا "مدير"، فظنت الأسرة أنه مدير إحدى الشركات العملاقة العاملة في مجال الذهب أو النفط فوافقت مبتهجة على طلب الزواج، ولكن سرعان ما تكتشف الأسرة أن خطيب ابنتها مجرد "مدير جروب" في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، فتنشب حربٌ طاحنة بينه وبين الأسرة، وهنا قد تُرفعُ القضية إلى مؤسسة القضاء الافتراضي لحل النزاع.
 

بقي أن أقول إن وضعاً كهذا جدير بأن يحرِّك في الشباب العربي مشاعر النخوة الإيجابية، وأن يزرع فيه الحماسة الأبدية، من أجل ميلاد جيل عربي جديد يحنُّ للجلوس في محراب الإنجاز والابتكار فتسيل دمعته لتنهض أمته، يرفض أن يظل عالةً على ابتكارات الشعوب الأخرى، لا يقبل أن يعيش على هامش التاريخ، ولا يرضى بالدنية والتخلف عن الركب الحضاري الميمون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.