شعار قسم مدونات

تذويب الهوية

blogs - حشد
هل كل شيء يخضع للعولمة؟! التسوق عبر الإنترنت أتاح لنا فرصة اقتناء أي شيء أيًا كان بغض النظر عن مكانه، ويسَّرت العولمة السبيل أمام تدفق المعلومات والبضائع ومقومات الحضارة في جنبات القرية الصغيرة التي أضحى العالم أشبه ما يكون بها. ولكن السؤال: هل سيتوقف تيار العولمة عند حد معين؟ هل سنكتفي في عمليات استيرادنا على المقومات الحضارية من بضائع ومناهج للتعليم ونظريات علمية ووسائل موصلات وأساليب عيش أفضل؟
نريد في تلك الكلمات أن نُأصِّل الفارق بين الثقافة والحضارة ونوضح قابلية كل منهما للصهر والعولمة، وندرك أخيرًا موقفنا الحالي تجاه استيراد كل منهما، وهل عملية تذويب الفوارق تلك موَّجهة أم أننا أصبحنا نسير مع الموجة بلا وعي وبلا إدراك لمآلات وعواقب عملية التذويب، واضعين في حسابنا مكان كلٍ من المجتمعات المصدرة والمستوردة.

فالحضارة هي كل ما يتعلق بتحسين الأوضاع المعيشية وتسخير العلم والتكنولوجيا لراحة الإنسان وتشمل أساليب العمران ووسائل المواصلات وطرق العلاج والنظريات العلمية ومناهج التدريس والتدريب وأنظمة العمل.

لكن العولمة لا تكفي لتنتقل هذه الحضارة من البلاد المتقدمة إلى نظيرتها المتخلفة؛ لأن نقص الموارد يحول دون ذلك، ولكن متى صارت الظروف مواتية وتوفر العامل المادي كان من اليسير استيراد تلك الحضارة، وهذا واضح جدًا في دول الخليج على سبيل المثال.

نريد فقط ممن رضخوا لثقافة المجتمعات المتقدمة وانتحلوا نحلتهم وعوائدهم وسائر أحوالهم أن يدركوا عاقبة تخليهم عن ثقافتهم وما يترتب على نبذهم مقومات هويتهم من تسليم للأمر الواقع.

وإذابة الفوارق في أمور الحضارة أمر محمود لأنه يُقصِّر علينا المسافات ويجعلنا نبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهذا هو الاستغلال الأمثل للعولمة لأنه يجعلنا نستفيد من كل مجتمع بما يتميز به.

أما الثقافة، فهي مجموعة المبادئ والأخلاق والعادات والتقاليد وأنماط المعيشة وقوامها: اللغة والتاريخ والقيم الروحية. فالثقافة –كما يتضح من التعريف– أقرب للجانب المعنوي منها للجانب المادي الذي تتسم به الحضارة؛ لذا فمن الطبيعي أن يمتلك كل شعب ثقافة تميزه عن أترابه وتُشعِره بذاته، لكن عندما يتعلق الأمر بالحضارة فطبيعي أيضًا، وممكن جدًا أن يشترك فيها مجتمعات مختلفة؛ لأن الحضارة منوطة بتحسين ظروف عنصر الإنسان، لذلك لن يترفع أحد أن يقبلها بغض النظر عن منشأ تلك الحضارة وماهيتها.

ولمّا جُبلَ الإنسان علي حب التفرد والتميز، أصبحت عزة نفسه وشعوره بذاته مقرونين بمغايرته للآخرين، ومن ثّمَّ أصبح الإنسان بين خيارين، إما أن يختار الجانب الحضاري وبالتبع يكون لكل مجتمع حضارته المختلفة منعزلاً عن حضارة غيره، وإن كانت أفضل وأكثر تقدماً وهذا في سبيل التفرد والتميز.وإما أن يختار الجانب الثقافي فيكون لكل مجتمع عاداته وتقاليده ومبادئه ونمط عيشه، وكان هذا هو الاختيار الأمثل؛ لأنه وبكل بساطة لا مفر من العولمة في الجانب الحضاري.

نخلص مما سبق أنه من الطبيعي والمحمود أن نزيل الفوارق ونعولم جانبنا الحضاري؛ لأن الأمر مداره على تحسين عيش الإنسان ولكن ماذا عن عولمة الثقافة؟

باستقراء الواقع نستنتج أن عمليات الاستيراد لم تقتصر على الشركات التجارية والمعاهد العلمية، وقطار العولمة لم يتوقف عند محطة الحضارة فحسب ولكن أصابتنا العولمة والصدمة التكنولوجية والانفتاح على العالم بحالة من اللاوعي عندما يتعلق الأمر بثقافة الأمم المتقدمة حضارياً؛ ولكن البديهي أننا عندما نشرع في التسوق ننتقي أفضل السلع بغض النظر عن صانعها، فنستورد من كل بلد ما يتميز به. إذًا الأمر مداره على قيمة السلعة، لكن هل نطبق نفس النظرية عندما تكون السلعة عبارة عن مبادئ أو أخلاق أو عادات وتقاليد أو حتى نمط معيشي؟

هل عندما يفرض علينا الواقع المتعولم أن تُعرَض علينا ثقافة المجتمعات ومبادئهم كما تُعرَض علينا سلعهم وحضارتهم نكون موضوعيين في الاختيار فنختار الأنسب والأفضل، أم أننا نقلد المجتمعات المتقدمة سواءً كان الأمر متعلقًا بالحضارة أو متعلقًا بالثقافة؟

الإجابة هي أن الكثير منا أُصيبوا بداء التقليد الأعمى وضلوا في التفريق ما بين الحضارة والثقافة وبين ما يقبل العولمة وما لا يقبل، فاختلت عندهم المعايير وأصبحوا بلا أساس من ثقافةٍ وهويةٍ تًميِّزهم عن غيرهم وتشعرهم بذاتهم، وأصبح الواحد منهم مولعًا بتقليد ومحاكاة كل ما يتعلق بالمجتمعات المتقدمة ونحن لا نطلب منه إلا أن ينتقي من ثقافتهم كما ينتقي من سلعهم وحضارتهم.

الرضوخ تحت وطأة الثقافة الغالبة له أثره البالغ في كبت ملكات الإبداع لدى شبابنا، فعندما نعتقد أن هؤلاء المتقدمون حضاريًا متميزون عنا ويفوقوننا في العقليات والقدرات، يتسرب إلينا شيء من الهزيمة النفسية.

نريد فقط ممن رضخوا لثقافة المجتمعات المتقدمة وانتحلوا نحلتهم وعوائدهم وسائر أحوالهم أن يدركوا عاقبة تخليهم عن ثقافتهم وما يترتب على نبذهم مقومات هويتهم من تسليم للأمر الواقع، فضلًا عن الهزيمة النفسية والركود في الجانب الفكري والإبداعي؛ لأن الإنسان متى أصبح عارياً مما يكفل له تميزه وتفرده ورضيَ بالتقليد والتبعية خارت قوى الإبداع والتفكير عنده وفقد الثقة في ملكاته الفكرية التي تقوم في الأساس على ثقافته التي تنازل عنها.

من منا لا يحلم بأن نلحق بركب الحضارة الذي فاتنا؟ من منا لا يتمنى أن نتخلص من مكاننا في ذيل الأمم؟ في الحقيقة، كلنا يحلم ويتمنى ذلك ولكن المطالب لا تُنال بالتمني، وبما أن هذا المطلب عزيز فإننا لن نحققه إلا بحظ من المشقة ولن نعبر إليه إلا على جسر من التعب.

وهذا الجسر يبدأ بإدراك حالنا وموقعنا بالنسبة للعالم والفهم الجيد لمدى خطورة المشكلة، ومن ثَمَّ نستنتج أن الرضوخ تحت وطأة الثقافة الغالبة له أثره البالغ في كبت ملكات الإبداع لدى شبابنا، فعندما نعتقد أن هؤلاء المتقدمون حضاريًا متميزون عنا ويفوقوننا في العقليات والقدرات، يتسرب إلينا شيء من الهزيمة النفسية والقناعة بالتقليد الأعمى ثقافيًا وحضاريًا وهذا حال الأمم المغلوبة.

ولكن الواجب علينا أن نعتز بهويتنا وثقافتنا وهذا الاعتزاز بدوره يمنحنا الثقة بملكاتنا وقدرتنا على التفوق عليهم فضلًا عن اللحاق بركب حضارتهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.