شعار قسم مدونات

ماذا لو كنت حقا محظوظا؟

مدونات - مسلم

قالت لي إحدى صديقاتي ذات مرة، ماذا سيكون لو كنت حقاً محظوظة في هذه الحقبة من حياتي، فأنا لم أصنع نظام الكون، أنا مجرد ذرة فيه فالأمر لا يستحق كُل هذا العناء، والأهم من كل ذلك فأنا تعلمت فن اللامبالاة.. قد يزعجني الميزان ذلك الشيء المربع الصغير الذي يُضيّع الشعور بالبهجة فلا أبالي! ثم ساعة يدي التي تذكرني بالمواعيد المملة والطقوس الصارمة فلا أبالي!
 

أترك جميع المهام تتراكم وأذهب لمحادثة صديقاتي بالساعات فلا أبالي! ثم أتخلص من ذلك القلق الذي ينتابني بشأن صحة أمي وسلامة أخوتي، ووضعي الدراسي وقلة المال، وما يفكر به الناس وكوني وحيدة وكوني غير وحيدة، الإرهابين، الوضع السياسي، قدوم الصيف وكثرة الحشرات، الشمس الحارقة، فأسيطر على جميع مشاعري فلا أبالي! اغمض عيناي أسافر برحلة حول العالم يُخيل لي أنني اجلس على الشاطئ أشرب القهوة مع مَن أُحب، أفتح عيناي لأرفع صوت المذياع، أستمع لذات الأغنية عشرات المرات وفي كل مرة أشعر بشعور مناقض لسابقه، فلا بأس فنحن لسنا واحداً نحن في الداخل عبارة عن حشد أناس كُثر وهم يتقاتلون دوماً ومن الطبيعي أن أشعر بمشاعر مختلفة.
 

الأيام دوماً حُبلى بالأحداث وليسَ لها موعد مخاض تفاجُئك دونما تُوقع وليدها فتجد نفسك بين ليلة وضحاها في حال لم تتوقعه أو تحسب له حساب. ولكن ماذا لو كان الله حقاً يحبك وأرسل لك يد العون!

أحيط نفسي بمَن يحبون الضحك والحلويات، استرخي أستمتع بالرحلة فلا أبالي! نظرت لها بعين الغرابة، ثم قلت لها كيف لكِ ان تعيشي هكذا، أنتِ أشبه بمَن يموتون وهم على قيد الحياة، فأنتِ تعيشي حياةً بلا روح! قالت دعينا من كلام الكتب والروايات وصمتت قليلاً، نظرت لها ضحكنا ثم أكملنا طريقنا معاً. عدت إلى المنزل وتناسيت تماماً ما قالته لي، إلا أن أصبحت ألاحظ هذا الوضع على كثيرين حولي.
 

تمضي أيام وأسابيع وربما شهور وأنت تجلد ذاتك ثم تشعر باليأس والاكتئاب تريد أن تشعر بلذة الأشياء أن تستعيد إيجابيتك ورعايتك لذاتك وتراحمك معها، ولكن جميع محاولاتك باءت بالفشل! فهناك الكثير من المهام الملقاة على عاتقك، وتشعر وكأنك أضعف مخلوقات الله على حمل تلك المهام، تبحث بكل ما فيك عن سبب لذاك العجز، ولكن دون جدوى تلوم نفسك تارةً وتارةً أخرى تلوم المجتمع، تلتقط أنفاسك بصعوبة إلا أن تصل إلى سريرك ثم تبدأ أحلامك الوردية لا تجد مَن تلومه على عدم تحقيق تلك الأمنيات والأحلام سوى القدر، لتعيش حالة من السخط الداخلي ثم تعود لجلد ذاتك بأسئلة ليس لها أجوبة، لماذا أشعر بالوحدة على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من الناس حولي، لماذا أشعر بالحزن وانا أعيش بسلام وأمان، لماذا أكل وأنا لستُ بجائع، لماذا أصبحت أنظر إلى من حولي بعين الاحتقار، وأتهم اهتماماتهم بالسطحية والسخافة وكأني أتيت من غير كوكب، وخُلقت بغير تلك الاهتمامات، سؤال تلو الآخر ودوماً عقلنا البشري عاجز على أن يأتي لنا بالحكمة.
 

تنام العين والعقل لا يتوقف عن التفكير، يرن المنبه صباحاً وأنت ما زلت متعب، تنهض وشعور السخط الداخلي يزداد، تنتابك رغبة بالانتقام لكن لا تدري ممَنْ سوف تنتقم، تتجاهل جميع الالتزامات والواجبات، تذهب لتقابل أشخاص لا تعرفهم إلا قليلاً تتصنع السعادة والكمال تضحك معهم، تتكلم وربما تسلك طرقاً خاطئة معهم بحجة انتقامك من الحياة، أو لرغبتك الشديدة بأن تشعر! وبعد ذلك تكتشف بأنك ازددت غرقاً وسخطاً، وحتى كرهاً لذاتك، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ولا حتى مشاعر، شيء يشبه عقوبة الإعدام. تنهار باكياً؛ فرغبتك الشديدة اتجاه أشياء لا تستطيع امتلاكها كأشخاص بعيدين عنك، فتدرك أن من أقسى أوجاع الحياة ما يُسمى المسافة، فصعوبة الزمن وتغيرات الحياة جعلت المسافة بينكما أضعاف ما تقوله خرائط الجغرافيا.

ولكن لا بأس فهناك العديد من الطرق للتواصل مع مَن نحب، ثم تذهب لتعيش عزلة معهم فيها كمال الاتصال، تراهم في أحلامك فتسعد كما لو كنت رأيتهم في اليقظة فرغبتك الشديدة اتجاههم أو حتى اتجاه أحلام صعبة المنال، جعلتك في حالة عمى كُلي، ومن أكثر الخسائر التي يتعرض لها الإنسان في حياته تكون ناتجة عن عمى بصيرته فقط.
 

الفرص بعدد أنفاس الحياة أو تزيد، فادعِ ربك بأن يحميك من نفسك أولاً ثم من شر الآخرين وضرهم وآذاهم، والأيام كل يوم تعطينا رسائل لكننا لم نسمعها لأن صوت شكوانا وصراخنا غالباً يكون أعلى من أي صوت آخر.

ولكن كما قال الشاذلي: أن الأيام دوماً حُبلى بالأحداث وليسَ لها موعد مخاض تفاجُئك دونما تُوقع وليدها فتجد نفسك بين ليلة وضحاها في حال لم تتوقعه أو تحسب له حساب. ولكن ماذا لو كان الله حقاً يحبك وأرسل لك يد العون! معونة الله تأتينا مباغتةً لتنتشلنا من مستنقع أفكارنا دون حول منّا أو قوة، كمعونة صديق، أو ربما معونة غريبٍ تماماً، أو حتى عرّافةٍ متدعية مثلاً!! ولعلها ليست كذلك، لكنها ظهرت في الوقت المناسب بالنسبة لك.
 

فالله لا يهون عليه ضياعك ولا سوء أوضاعك، سيضع الصعوبات بطريقك ليجعلك تنهض، لكن عمى بصيرتك جعل عقلك يتوقف عن عمله تماماً. ثم تأتي تلك العرّافة فرضاً تنطق بعبارات ربما تقصدك أنت أو تقصد غيرك، تخمن سوء أوضاعك وضياعك، تنطق بكلمات بحثت عنها كثيراً بداخلك، تأتي لتقول لك بأن الله يحبك وأن هذا الكون به من الخير ما لا يسعُه عقلي ولا عقلك، وتصيبك حالة من الغيبوبة الكاملة عن كُل ما يجري حولك، وعندما تستعيد توازنك تجد أن تلك المرأة ذهبت بعيداً وبقي صدى صوتها في رأسك، تجلس وحيداً متعباً باكياً تحاول تستنجد بأحد قريب منك ربما صديق أو أخ ولكن دون جدوى ستبقى خائفاً ربما يوم أو اثنين ولكن حتماً باليوم الثالث سيمُن الله عليك بقوة رهيبة لتنهض وتقف أمام المرآة متجاهلاً عبارة تلك المرأة عندما قالت لك لا تنظر إلى نفسك كثيراً في المرآة لتقرر بأن يكون الخطأ سبب في صواب أعظم..!
 

عزيزي القارئ ربما تكون تلك المرأة العرافة ليس لها وجود، وربما تكون مجرد خاطرة استطاع عقلك الباطن أن ينسُجها ويهيئ لك الأسباب لكي تقوم بتصديقها بقدرة إلهية، ربما تكون أو لا تكون، ولكن دعكَ من كُل هذا الكلام وصدق شيء واحد فقط بأن الله حقاً يحبك، ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم "لتصبر ولتحتسب"، والفرص بعدد أنفاس الحياة أو تزيد، فادعِ ربك بأن يحميك من نفسك أولاً ثم من شر الآخرين وضرهم وآذاهم، والأيام كل يوم تعطينا رسائل لكننا لم نسمعها لأن صوت شكوانا وصراخنا غالباً يكون أعلى من أي صوت آخر، ولتكن آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.