شعار قسم مدونات

الثورة حتمية إنسانية

مدونات، ثورة

ذكر ابن خلدون أن المجتمعات تتطور كما الإنسان، وقسم تطورها إلى ثلاث مراحل تتميز كل مرة بخصائص، وإن كان الانتقال من طور إلى آخر يحتاج عقود بل إلى أجيال. إذاً التغير المجتمعي "ثورة" حتمية طبيعية، مهما حاولت بعض القوى الوقوف أمامها، وأكبر دليل على ذلك، حياة الإنسان الأولى، وقت أن كان في الغابة ينافس الحيوانات في مأكلها ومشربها والآن بطبيعة حتمية التطور الإنساني، يبحث عن مكان له على الكواكب الآخرى، تاركاً الحيوانات في غابتها، ليتسع الفارق الحضاري بينه وبين رفقاء الأمس إلى آلاف السنين المعرفية، وبين البدائية الأولى والحداثة المعاصرة كانت مقاومة الإنسان، حاضرة على مر العصور.

في قراءة استقصائية لتاريخ تطور المجتمعات سنجد أن هناك شريحة كبيرة من الناس تركن إلى الدعة وتخاف مما قد يأتي به التغير "الثورة" على اعتبار أنه من عالم المجهول، والخوف من المجهول غريزة متأصلة في النفس البشرية، ومن هذا المنطلق كان الخوف من التغير حاضر في البلدان التي هبّت عليها نسائم الربيع العربي، ومنّ ثم شهدت الثورات مقاومة عنيفة من معسكر الخائف والكاره لفكرة التغير فرأينا انتكاسة على الثورة.

ما يحدث في مراحل التحول المجتمعي في حياة أي ثورة، أن الكتلة التي تثور، في حالة نجاحها عاجلاَ أو آجلاً، هي التي تعيد تشكيل المجتمع وتأسيسه، لإيمانها بالتغير نحو الأفضل متوافقاً مع سنة التطور

من الثابت أن المجتمع في ظل الحكم الاستبدادي "السياسي والفكري والعقائدي" يسود فيه فكر الاستسلام للواقع، فيصبح الجمود الحالة السائدة، وبنيانه مفكك وغير متناغم ومن ثمّ لا يسعى للتطور، ففريق يرضى به "الجمود" سبيلاً لحياته ويتوافق معه وفريق يسعى للخلاص مهما كلفّه من تضحيات لإيمانه بأحقيته في التحرر "التطور" من الحالة الاستثنائية التي يعيشها بالمقارنة بما يراه ويلمسه في مجتمعات خيالية أو واقعية. ومن ثم تنشأ حالة الفراغ والنزاع بين طرفي النقيض، عندها تتوقف حركة التغير حتى ينتصر فريق على الآخر.

وفي مراحل التغيير "الثورة" قد تكون الغلبة لبعض الوقت لمعسكر الرافضين المقاومين لهذه الفكرة، ولكن في نهاية المطاف سينتصر معسكر التغيير لأن حتمية التطور الإنساني ستكون لها الغلبة، كما جرت العادة في كل مراحل حياة الإنسان. وبالنظرة إلى المجتمع المصري على سبيل المثال، فمنذ الانقلاب وحالة المجتمع تكاد لا تغادر المربع الذي كان عليه قبل أربع سنوات تقريبا "جمود"، بل إنه ينزلق الى مناطق أكثر سوءً متراجعاً عن فكرة التغير، فالشقاق والتباين السياسي والاجتماعي بين فئاته، كان لها الأثر السلبي على الحالة الاقتصادية والأمنية، فدفع شريحة كبيرة من المجتمع بكراهية الثورة.
 
لذا فما يحدث في مراحل التحول المجتمعي في حياة أي ثورة، أن الكتلة التي تثور، في حالة نجاحها عاجلاَ أو آجلاً، هي التي تعيد تشكيل المجتمع وتأسيسه، لإيمانها بالتغير نحو الأفضل متوافقاً مع سنة التطور.وحين ينتصر فريق التغير "الثورة" سيحرر المجتمع من الفكر السائد، وسيعيد المجتمع بناء تمَاسكه مرة أخرى، ولكن على أسس ومبادئ جديدة كتلك التي آمن بها فريق الثورة، استكمالا لتطور البنائي الجديد.

صحيح قد يتأخر التغير "النصر" بعضاً من الوقت لكن تبقى فكرة الخلاص من الاستبداد والجمود قائمة، وتبقى حتمية التغير هما الخطوط العريضة التي تحرك الكتل الثورية، بشرط استمرار صمودها، في النهاية سيجد الاستبداد نفسه محاصر فيضطر إلى التسليم مهما امتلك من أدوات القمع والاستبداد.  لأن إرادة التغير أقوى من أي أسلحة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.