شعار قسم مدونات

ليس من شأن أحد!

blogs - ناس في الشارع
في مجتمعاتنا العربيّة تكثر الأحداث، وتتنوع طرق انتشار القصص بأشكال مشاهد كثيرة منها:
الجارات يتكلّمن عن جارة أخرى تختصر كل الأشخاص وتفضل البقاء وحدها في المنزل، حيث لا يعرف عنها أحد ولا يخوض في حديثها أحد، ولعلّ هذا أمر مزعج للجارات ورئيستهنّ التي تقطن في الطابق الثالث، فكيف لها أن لا تجد حديثاً تخوض فيه عنها؟ وأولئك الشبّان في المكتب يستغربون صديقهم الشاب الذي يتأخر كثيراً في صلاته، فيغيب لأكثر من نصف ساعة لصلاة الظهر على سبيل المثال فيبدأون بإطلاق الألقاب مثل: الشيخ أو الحج فلان، وترى الفتيات يتحدثن عن مديرتهن في المركز التي سمعنها تتحدث مع والدتها بطريقة غير لائقة وكيف "سقطت" من أعينهن لهذا التصرف
وسمعنا عن الحاجّة التي تتحدث عن حفيدة صديقتها فتقول لأبنائها وأحفادها عن دماثة خلقها الشديدة والتي كادت تختفي في هذا الزمن، وكيف أنها لا تتكلم إلا الكلمة اللازمة وأنها تخجل أن ترفع عينها في عين الآخرين خجلاً وأدباً.
 
وعن صاحب المقهى الذي يستهجن ذاك الشاب الشارد الذي يأتي يومياً شارداً هائماً يجلس وحده بالساعات يدخّن الشيشة ويشرب الشاي ويدفع حسابه ويغادر بصمت… وكثير كثير من الصور والمشاهد اليومية التي لن ينتهي تكرارها وتعدادها، ولكننا في كل مرة نستمع لتلك الروايات أو نرويها ننسى أننا جزء لا يتجزأ من مجموعة الروايات تلك، وأننا نكمّلها بطريقتنا الخاصة وعلى شاكلة الجلسة، فقد نحوّل قصص أولئك لقصص تافهة ونكتة، وقد نحولها لفقرة حزينة نشفق بها عليهم، وقد نحولها لجلسة تحليلية لنفسية ضحية الحوار، وقد تكون قصة للسخرية لا غير، ننسى أننا رأينا الجزء الظاهر على السطح فقط، واختلقنا العمق بأنفسنا، وحسب شكل الجلسة ونوعية من نجالس يكون شكل العمق الذي نود لو أن أولئك الأشخاص يقحموننا فيه فيريحوا مخيلاتنا من عناء رسم حيواتهم في كل مرة علّنا نعرف الحقيقة فنشبع فضولنا أو نملأ فراغا يسكننا.

متى سنهذّب أنفسنا ونقول لها في كل مرة تحاول أن تبالغ بفضولها: ليس من شأنك! فنقول صباح الخير للجارة إن رأيناها وإن لم نرها، نقول: لعل المانع خيراً

ننسى أيضاً أننا نحن قصة يرويها الآخرون في جلساتهم، وأن ظاهرنا قد صّور لهم بعداً لا بل أبعادا كثيرة عن حياتنا، ننسى أنهم حكموا علينا تماماً كما حكمنا عليهم وجعلوا منّا أضحوكة سهرة الخميس وقصة صباح الأحد في المكتب ودراما منتصف الأسبوع في جلسة قهوة تم ترتيبها فجأة، جميعنا هكذا، نعيش على شاشات عرض بعضنا البعض ولا نجرؤ أن نحترم الكواليس، جميعنا نجالس قصص بعضنا وأعراضنا وأفكارنا ونفسياتنا وظواهرنا وما نظن أنه باطننا.. لأنه غير مسموح لأي منا اقتحام كواليس الآخر، ولو فُتح الباب لأحدنا بحضور كواليس مشهد واحد من مشاهد حياتنا، لكانت قد كثرت السيناريوهات والحوارات والمشاهد.. وتغيرت الحقائق بحجّة أننا لا نريد "فضح" الواقع، فنجري عليه بعض التعديلات بحسب مزاج الجلسة التي سيكون عنوانها أحدهم حينها.

في هذه الحالة، لا يحترم أي من الجارات خوف تلك المرأة من أن يرى أحدهم كدمات وجهها التي كادت ترديها ليلة أمس وكل ليلة على يد زوجها السكّير، فأرادت أن تستر عائلتها وذاتها فصمتت واختصرت نظراتهنّ التي ستؤلمها أكثر من الكدمة التي بات لونها أزرق الآن، ولن يفهم زملاء الشاب في المكتب أنه يصلي بعد كل فرض ركعتين للحاجة يدعو بها لوالدته ويرجو الله أن يشفيها ويعينه على العمل جادّاً لعلاجها. ولن تعرف الفتيات أن والدة مديرتهن امرأة ظالمة ومؤذية ولم تكن حق الأم، فتتعامل ابنتها معها بطريقة غير معتادة لوجعها من ماض ورواسب كانت قد تشكّلت بداخلها. ولن تدرك الحاجة المسكينة أن تلك الفتاة تدعي دماثة الخلق المبالغ بها لتغطي سوء خلقها، ولأنها تريدك أن تخبري حفيدك عنها، ذاك الحفيد الذي تراه كل ليلة خارجاً من عندك، حفيدك الخلوق والمتعلم الذي يبحث عن عروس تليق به. وصاحب المقهى لن يعرف كيف كُسر قلب ذاك الشارد وخسر صديق عمره وضحّّى به لأجل فتاة أغرم بها، فكسرت قلبه وخسرته، أحبته وغادرت.

ولعلنا لن نعرف أي تفصيل من التفاصيل الحقيقية ولعلهم جميعاً يعيشون حياة هادئة وهنيّة ولكن ببساطة ما يحدث معهم وسبب اختلاف شخصياتهم وتصرفاتهم .. ليس من شأننا! متى سنصل إلى مرحلة التعامل مع ظواهر الأشخاص دون محاولة الغوص في أعماق أي منهم لأننا إما سنغرق أو سنرى أعماقاً لم نود يوماً أن نرى باطنها.. متى سنهذّب أنفسنا ونقول لها في كل مرة تحاول أن تبالغ بفضولها: ليس من شأنك! فنقول صباح الخير للجارة إن رأيناها وإن لم نرها، نقول: لعل المانع خيراً وغير ذلك: ليس من شأنك. وحين يعود المصلي للمكتب نقول له تقبل الله وما بعد ذلك: ليس من شأني.  وحين تغلق الهاتف مع والدتها نسأل ما نريد ومن بعد ذلك.. ليس من شأننا. وبعد أن تغادر الحفيدة ندعو الله أن يحفظها وأي بُعد آخر ليس من شأن أحد… هل يُعقل أن نصل لهذا الحد من التهذيب؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.