شعار قسم مدونات

ضائعون

blogs الأمل

ربما يكون الضياع أحد أشق التجارب التي تمر بها النفس البشرية، ذلك أنه قلق دائم لا يتوقف وحيرة أشبه بالجنون، وتجربة ذاتية خالصة لا يمكن لأحد أن يحملها عنك. الضياع سؤال لا يكف عن الإلحاح وحاجة للإجابة.. ولا إجابة ولا دليل يؤشر عليها.

 

فيلم ليون الذي ترشح لست جوائز أوسكار هذا العام من إخراج غارث دايفيس، تستند قصته لأحداث حقيقية عن طفل هندي فقير ضاع عن أهله وهو ابن خمس سنوات وتبنته عائلة أسترالية ثرية ليعاود البحث عن أهله وعمره ٢٧ عاما، فلم تستطع الحياة المرفهة أن تمحو أصواتا تضج في رأسه تبحث عنه تناديه باسمه سارو، أصوات أمه وأخيه وأخته. لم تستطع السنوات أن تسكت ذلك السؤال الملح أين موطني، كيف تقضي أمي أيامها دوني؟

 

الأصعب من الضياع أن تدرك أن أحبتك يبحثون عنك في كل لحظة، يودون أن يجدوا خيطا يصلهم بك، أن تسمع أصواتهم ينادونك في كل مكان عبرته، أن ترى دموعهم تبلل وسائدهم ليلا، تتساءل أين أنت؟ لكنك لا تعرف كيف تهتدي إليهم أو تهدئ من روعهم. ذاكرة سارو الطفل ابن خمس سنوات لم تخطئ سارو الشاب بل قادته لموطنه لأمه ثانية، بعد سنوات من البحث بالخرائط وإعمال الذاكرة.

 

هذه القصة تداعت علي بقصص أخرى أتعرفون "أبو الورد" آخر جنائني في حلب كان يمارس الغرس وسط القصف. يزرع الأزهار والورود يبيعها هو وولده اليافع إبراهيم كان مستنبت أبو الورد قادرا على أن ينقل الأب وابنه بعيدا عن جحيم الهدم والركام كأنهما ذاهبان في حلم. قهقهاتهما تعلو كان إبراهيم يشعر بالأمان في مستنبت والده كأنه حضنه وحصنه الحصين، ولكن تلك الجنة الصغيرة لم تعصم أبو الورد من القصف، وبقي إبراهيم. ورغم توقع حدوث ذلك ورغم شهادته ذلك كل يوم إلا أن إبراهيم لم يستوعب وقع الصدمة، عيناه الضائعتان تحكيان الكثير عن تلك اللحظة. كان سؤال المراسلة: شو رح تعمل هلأ؟ أجاب باكيا: ما بعرف…

 

لا أحد معصوم من التجربة، المؤلم أن تواجه التجربة ولا تملك أي أسلحة لمجابهتها، لأنك لم تنشأ على ذلك، أو لأن وقع الصدمة كان أكبر بكثير من قدرتك على المجابهة

قصة إبراهيم نقلتني لقصة هدى درويش الفتاة الغزية ذات العينين الواسعتين البديعتين، عرفتها عبر الفيلم الوثائقي "قصة هدى" لمخرجه يوهان إريكسون.  عام ٢٠٠٣ اقتنصت رصاصة إسرائيلية نور عينيها وهي في الصف. كان عمرها ١٢ عاما حينها، الأطباء قالوا لا أمل في الإبصار ثانية أما أهلها كانوا يقولون إن شاء الله رح ترجعي تشوفي ورح تصيري أحلى عروسة. سنوات طويلة وهدى تقنع نفسها أنها سترى يوما، تغذي نفسها بالأمل. رفضت البقاء في مدرسة المكفوفين، رفضت ذلك الواقع الجديد ولم تعرف ماذا بعد.. ست سنوات من الضياع تسببت بها رصاصة، حتى رُتب لها لقاء مع صديقة المدرسة تراها هدى في الجامعة فتنهار وتوافق أخيرا أن تكمل دراستها.

 

تلك مشاهد حقيقية ولا أحد معصوم من التجربة، المؤلم في هذه القصص أن تواجه التجربة ولا تملك أي أسلحة لمجابهتها، لأنك لم تنشأ على ذلك، أو لأن وقع الصدمة كان أكبر بكثير من قدرتك على المجابهة. قد يكون الضياع لحظة تكتشف فيها أن حربك الكبرى لن تكلل بالنصر، وأن ما كنت تكافح لأجله سنوات وكنت تتمنى دوما حصوله لن تحوزه، فماذا ستفعل بعدها؟ قد يكون الضياع لحظة إصابة امرأة بألزهايمر يناديها زوجها حبيبتي فتجيبه من أنت يناديها الأبناء فتنكرهم، فماذا سيفعلون حينئذ؟ قد يكون الضياع مرضا مباغتا يصيب أحدهم في شبابه، يقعده ليلقي بكل أسلحته عاجزا أمامه، فماذا بعد؟ قد يكون الضياع لحظة يقاد فيها أحدهم لمكان لا يعرفه ولا يعرف لم اقتيد إلى هناك ثم تبدأ تنهال عليه صنوف الشتائم والسياط على جسده، وهو لا يعرف لماذا كل هذه المهانة؟ فماذا بعد؟ قد يكون الضياع، حالة شك بعد يقين بأمر كنت تعده من المسلمات. شك لا تعرف بعده أين اليقين لتتشبث، به وأي الطرق تؤدي إليه. بل تبدأ رحلتك للبحث عنه لا تعرف أي طريق تسلك.. فماذا أنت فاعل؟ قد يكون الضياع لحظة لا تفهم فيها كيف تجري المقادير وسنن الكون والأشياء فتسخط على الدنيا، ويوم درجت عليها..  فماذا ستفعل بعدها؟

 

لا شك بأن الإنسان حين يضيع يكون بأمس الحاجة للمساعدة، ليرى أبعد من مشكلته ويرى رحابة الحياة وسعة خياراتها، لأنه سيكون في تلك اللحظة سجين فكرة يرى نفسه المحور والكون يدور حوله، لأنه سيكون حبيس سؤال لا إجابة منطقية عليه، ولكن قد لا يكون هناك من يقدم لك المساعدة وذلك ألم مركب. هنا نحتاج القوة من "هنا" من الذات نعم النفس البشرية عصاب معقد قادرة على مجابهة الأهوال والحياة من جديد. أنفسنا هي من ستنقذنا أو تقضي علينا، ما لم يدرب المرء عقله أن يفك عقال التجربة ويخرج من سجن الفكرة فسيقضي وقتا أكثر حبيس رحلة الضياع تلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.