شعار قسم مدونات

"ممنوع الكتابة" رفعت الجلسة

blogs - twitter
إن أقدس منظومة اجتماعية عرفها العالم العربي عبر التاريخ هي المنظومة العدلية، ولعل هذه الحقيقة المتموضعة في ذهن العرب اليوم كأحد أسمى مفاخر حضارتهم هي أيضاً في نفس الوقت جزء من مشكلتهم، حيث يتوارى تحت مطرقة هذه القداسة كثيرٌ من نقد الممارسات القضائية المرتبكة بين العدل وضده والمجانبة في أغلب أحوالها للإنصاف والصدق.

هذه الأيام وبعد ظاهرة (تويتر) الكونية رأى كل أحد في طول وعرض العالم العربي كيف يتساقط (المغردين )العُدول وهم فقط دون غيرهم واحداً تلو الآخر في مماحكات ومحاكمات جانحة بتهمة الكتابة في تويتر، فبين الفينة والأخرى يتناول ملايين المتابعين تغريدات نصية قصيرة من متابعيهم أو عائلاتهم نيابة عنهم هي أشبه ما تكون ببلاغات إخطار (ضد) يزودون فيها ببعض فقرات صك منعهم من الكتابة بذريعة تهم وادعاءات تعجز عن تحقيقها أعتى جيوش الدول كشق الصف والتمرد على الحق المطلق والدستور واثارة المجتمع و.. في قائمة تستعصي على الاختصار أو التلخيص من طولها.

وأصدق ما يقال عن المدعي فيها أنه " أكذب من مسيلمة " وأسهل ما توصف به التهمة أنها تغريدة برأي مطلق حدها جاك كاليفورنيا بـ ١٤٠ حرفاً فقط لا غير، وهي في أكثر أحوالها مغالبة لنعَم السلطة بلا أو لا بنعم في قضايا لا تعدوا كونها اجتهادات بشرية، وهي استحقاق للمواطن أن يتناولها بنفس القدر الذي استحقته السلطة ضاق عنها صدر السلطة ليس إلا، ولهذا حدا بكثير من أصحاب الملايين من المتابعين في الوطن العربي إلى التغريد بما لا يُطيقون ليس دفعاً للعين الحاسدة بل الراصدة.

ما خطورة هذا التعسف (الاعتقال بتغريدة)؟! تويتر فضاء واسع يغشاه كل أحد من المثقفين والنخب من الخبراء والإعلاميين والصحفيين في العالم العربي وغيره وتتقدمهم قيمهم ومبادئهم التي لا تتجزأ ولا تتبدل كحرية التعبير، ونقل الحقيقة كما هي والمشاركة الفاعلة، وهم لا يسعهم التخلي عنها و خلعها على عتبة تويتر قبل الولوج فيه وإذا خرجوا منه انتعلوا قيمهم ومبادئهم ثانية من أجل من لا يؤمنون بأن له حق ولا هو بمُحِق في تقييد حريتهم عن الكتابة في فضائهم الخاص والتواصل مع محبيهم ومتابعيهم.


إن النظم العدلية هي (إسمنت الشعوب) التي تتماسك عليها لبناتها وتشتد بها وتقوى، ويسلم لها الناس في الديات والدماء والأعراض والأموال وفي الدنيا والأخرة، وإسقاطها في محاكمات ومناكفات هزيلة ربما يفقدها هيبتها.

ولوضع حد لهذه الجنحة هناك كثير من الحلول لمدافعة هذا التعسف والتطرف في التسلط سوف أشير إلى حلين شاملين فقط، الأول على الصعيد العالمي، والثاني على المستويات المحلية في الوطن العربي. فعلى الصعيد العالمي تعد منصة تويتر مبادرة حديثة واعتقال الناس عن التغريد فيه نازلة خبيثة ألمت بالعالم العربي دون غيرهم من بين شعوب الدنيا قاطبة، ولعل ما يجتث هذا التعسف هو تحالف عالمي كحلف (الفضول) نصرة للمظلوم، والذي حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار عبدالله بن جدعان ولو دعي صلى الله عليه وسلم لمثله لأجاب.

ليتنادى أحرار العالم لتكوين تجمع راقي من الناشطين والحقوقيين والكتاب من جميع شعوب العالم ومن مختلف الأعراق والألوان والديانات واللغات من محبي العدل والإنصاف وأصدقاء الحريّة والسلام في العالم، ومن مناهضي الاستبداد والتسلط، باستخدام أدوات ووسائل عصرية لمقاومة سلوك موغل في التخلف والرجعية، وغاية هذا التجمع ونطاق عمله هو حرية المغردين في تويتر في العالم العربي ويتم التركيز على التشهير بـ(القفاصون الجدد) والتعريف بجريمتهم في حق المغردين وتيتّم أسر لا زال آباؤهم أحياء وحرمانهم من ذويهم ومجتمعاتهم في المحافل الدولية ومؤسسات المجتمع المدني والناشطين والإعلاميين حول العالم، فليس هناك أنفع ولا أنجع من مقارعة سلوك متعسف بمبادرة حضارية.

أما على المستويات المحلية في الوطن العربي، فالأمة بمجموعها تتحمل مسؤولية التركيز على صناعة الرموز الحقيقية وقيادات المجتمع المخلصين والذين يحظوْن بالقبول والتقدير، وهم بدورهم يقومون بتجريد القيم المجتمعية لكل أحد بلا استثناء ولا رهبة، ومنها، أن أسطورة تويتر جيل جديد من التأثير له سماته الخاصة المتناغمة مع القرن الحادي والعشرون و التي لا تتناغم أبداً ولا من أي باب ولا نافذة مع حيلة فرعون بقوله "لأجعلنك من المسجونين" وذلك أنه استخف قومه فأطاعوه.

ومنها، إن التهويش بهذه المصطلحات الكبيرة في هذه المواقف يفقدها بريقها في المستقبل، فحينما يداهم المجتمع ممن يريد أن يشق عصاه ويفرق جمعه من الأعداء الحقيقيين، فإن استجابة الشعوب قد تأتي متأخرة اعتقاداً منهم أنها من قبيل هذا التلاعب بالمفاهيم والمصطلحات الحساسة، ومنها أن النظم العدلية هي (إسمنت الشعوب) التي تتماسك عليها لبناتها وتشتد بها وتقوى، ويسلم لها الناس في الديات والدماء والأعراض والأموال وفي الدنيا والأخرة، وإسقاطها في محاكمات ومناكفات هزيلة ربما يفقدها هيبتها، والتسليم بأحكامها القضائية، ومنها أن هذه الممارسات القمعية تكريس لصورة نمطية سلبية عن المجتمعات العربية حول العالم وعندئذٍ سيخسر العالم من أن ينعم بأجمل ما لدى الشرق من قيم الصدق والمورث الحق وهو الإسلام.

ومنها إن هذا النوع من المقارعة هي حرب فيتنامية بامتياز، واستنزاف صارخ مآلها في النهاية التعب والنصب، والحٓصيف من حسمها في بداية الطريق بسعة الصدر والقلب والعين والأذن والنظر بإيجابية.. إن معركة حرية التعبير في تويتر ليست حصرية بين الكاتب و الكاتف في فضاء تويتر كما يبدو من أول وهلة، بل قطب رحاها طرف ثالث هو (أنت) وعيك وإدراكك، فصاحب الوعي صعب انقياده، سهل اعتراضه، وهذا ما يقض مضاجع المستبدين ليس إلا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.