شعار قسم مدونات

السلطان أردوغان

blogs - turkey

في استفاء تركيا الأخير على النظام الرئاسي أكاد أجزم أن أكثر عبارة تم تخويف المصوتين لها بنعم هي أن أردوغان سوف يتحول إلى دكتاتور وسلطان عثماني جديد بيده خيوط اللعبة كلها وسيقود تركيا إلى نظام ديكتاتوري جديد بدل العسكر، هذه الصورة السلطانية السلبية التي رُسِمت حول رجل لا يختلف اثنان حوله أنه صاحب شخصية جازمة لا تعرف المناطق الرمادية ولا يحسن العبارات الدبلوماسية الهادئة كصديقيه عبدالله غول أو داود أوغلو، بهذه الصفات تمكن أردوغان بشخصيته الكاريزمية أن يصبح رمزاً في العالم ليس لك إلا أن تتفق معه بالكلية أو تختلف معه كلية كذلك وقد سطع نجمه بشكل كبير بعد فشل الانقلاب الأخير في ٢٠١٦ وعودة الأمور في صالح الدولة التي يقودها.

من جهة أخرى لا يختلف الخبراء والمحللون السياسيون في الشأن التركي على وجود أزمة حكم في البلد وتداخل بين مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) أدى إلى عدم استقرار وفشل كبير في تكوين حكومات ائتلافية متناغمة، أضف إلى ذلك وجود تركيا في منطقة جغرافية مشتعلة بالحروب على حدودها ناهيك عن المشاكل الداخلية مع حزب العمال الكردستاني وغيرها من العمليات الإرهابية التي تستهدف وتؤثر في الاستقرار الداخلي.

النظام الرئاسي لن يخدم (الإسلاميين) أو المشروع الإسلامي على المستوى البعيد، بعد أن تضعف شعبية (الحرية والعدالة) ويحل غيرهم في الكرسي الرئاسي.

كمتابع عربي لهذه التحولات الديموقراطية أرى أن نتائج هذا الاستفتاء والنظام الرئاسي الجديد ستكون في مصلحة تركيا (حالياً) ولكن ليس على طول الطريق!وذلك لعدة أمور منها أن من فوائد النظام الجديد أنه سيبعد المعارضة بشكل كبير عن العملية السياسية وأهمهم الحزب الجمهوري المعارض، فهذا التعديل سيعطي وقت أطول لحزب العدالة والتنمية ورئيسه السابق أن يكون صاحب الزمام بلا منازع الى ما شاء الله أن يحكم بحكم الاغلبية الانتخابية والشعبية والتي يمتلكها حزب الحرية والعدالة (حالياً) وستنتهي مشكلات كثيرة منها مشكلة تكوين (الحكومات الائتلافية) بعد الانتخابات البرلمانية والتي فشلت تركيا فيها في الانتخابات الاخيرة.

مما يعطيك دلالة على أن طبيعة الأحزاب التركية أنها أحزاب لا تستطيع الوفاق والعمل سوياً وأنه لابد من حكم الحزب الواحد ذو الأغلبية والتجانس ولذلك اضطرت الحكومة لإعادة الانتخابات البرلمانية الأخيرة واكتسح الحرية والعدالة بغالبية المقاعد وتمكن من تأسيس حكومة يمثل أغلبيتها لوحده.


فهمنا لهذا السياق والحالة الداخلية والخارجية في المشهد التركي يأخذنا إلى نتيجة واضحة أن تركيا تحتاج إلى نظام تكون فيه القرارات حاسمة مثل نظام حكم الحزب الواحد أو النظام الرئاسي بدل أن تكون الملفات الاستراتيجية والقرارات المصيرية بين دفتي برلمان متشنج لا يمكنه الخروج بنتيجة حاسمة، وقد فطن العدالة والتنمية لهذه المشكلة في الحكم وإدارة الدولة مبكراً وتم طرح مشروع الاستفتاء على النظام الرئاسي كبند تسويقي في حملة الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ولكنه لاقى معارضة شديدة جداً من خارج الحزب وداخله أيضاً كون أن الكثير من النخب يراه نظاماً مهدداً للعملية الديموقراطية وسيقلل من مساحة تأثير الأحزاب في الدولة وخصوصاً بعد ارتباطه بفكرة أن هذا النظام الجديد سيكون في يد (السلطان أردوغان). 
 

لكن العدالة والتنمية تراجع بشكل واضح عن طرح هذا الملف عند إعادة الانتخابات البرلمانية التي فاز بها ولكن جاء الانقلاب العسكري الفاشل الذي اعتبر مرحلة فاصلة في مسيرة تركيا السياسية وشعر الجميع حينها بقوة بأنهم بحاجة إلى التغيير وتحجيم دور العسكر في الدولة وعدم العودة إلى الوراء ونجح أردوغان والعدالة في استغلال وتوظيف هذا الحدث الضخم في طرح النظام الرئاسي من جديد وكسب أصواتاً جديدة لصالحه ومن أهمها صوت حزب الحركة القومية التركية MHB الذي كان معارضاً للنظام الرئاسي فيما سبق ولكنه أيد التصويت لصالح النظام الرئاسي الجديد بعد الانقلاب.

الرهان سيكون على أن يتمكن الأتراك من حل مشاكلهم العالقة حالياً بهذا النظام وأن يعيدوا بعد ذلك السلطات والصلاحيات مرة أخرى إلى البرلمان والشعب بعد أن يتم بناء مؤسسات الدولة الثلاث بشكل قوي ومستقل.

بشكل أو بآخر حسب ما يتداول في الإعلام وتحليلاته أنه كانت هناك تسويات سياسية كبيرة تمت بعيداً عن الإعلام بين العدالة والقومي وتمكين القومي جزئياً في المرحلة القادمة مقابل تأييده للنظام الجديد بينما النخب والأحزاب الأخرى ومدافعو حقوق الإنسان والديموقراطيات ظلوا على مواقفهم السابقة وهذا ما جعل نسب الاستفتاء على النظام متساوية أو تميل إلى رفض النظام الجديد في المدن الرئيسية التي يكون فيها تجمع الشباب الجامعي والنخب الفكرية والثقافية ومؤيدو المعارضة.

وبهذا الاتفاق الأخير بين العدالة والتنمية والحزب القومي يكون العدالة قد نحر مشروع المصالحة الكردية واستبعدهم بشكل أو بآخر من اللعبة السياسية وهذا كان واضحاً في سياسة تركيا الأخيرة قبل الاستفتاء مع الحزب الكردي وأعضاءه الذين تم سجنهم والتضييق عليهم بتهم كثيرة ولعل حداثة التجربة السياسية لدى أكراد تركيا أو من يقود حزبهم أوقعتهم في هذه المزالق الكبيرة.

وجهة نظري باختصار
دولة المؤسسات القوية التي يحكمها البرلمان ورئاسة الوزراء من وجهة نظري هي أفضل تطبيق مثالي موجود في عالمنا الحالي وهو خير من يمثل قيم الديموقراطية لأنه يعزز ويُحَكِم مفاهيم وقيم مهمة مثل الحوكمة والشفافية والمسائلة والحريات بشكل متوازن في القوى بين الجميع ويطرح الغلبة لسنة التدافع بين الجميع ولكن للأسف النظام الرئاسي توجد فيه ثقوب ومساحات كثيرة تُمكن للديكتاتورية أن تأخذ محلاً كبيراً ولكن ومن جهة أخرى إذا نظرنا للحالة التركية كحالة خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الداخلية والخارجية والسياق التاريخي الديموقراطي لها نجد أن النظام الرئاسي الجديد سيخدم المصالح التركية (حالياً) إذا أحسن توظيفه ويتناسب كذلك مع درجة النضج الديموقراطي الذي تمر به تركيا الخارجة لتوها من فك العسكر.
 

من زاوية أخرى أتوقع أن هذا النظام لن يخدم (الإسلاميين) أو المشروع الإسلامي على المستوى البعيد، بعد أن تضعف شعبية (الحرية والعدالة) ويحل غيرهم في الكرسي الرئاسي، والمتوقع أن يكون الحزب القومي والذي لا يميل إلى الدور الإسلامي الذي تقوم به تركيا حالياً عبر العدالة والتنمية. ناهيك عن أن يصل الحزب الجمهوري أو غيره إلى هذه السلطات الرئاسية القوية في دولة أصبحت محورية وذات تأثير قوي بين دول وقضايا العالم الإسلامي.

الرهان كل الرهان سيكون على أن يتمكن الأتراك من المضي قدماً وحل مشاكلهم العالقة حالياً بهذا النظام وأن يعيدوا بعد ذلك السلطات والصلاحيات مرة أخرى إلى البرلمان والشعب بعد أن يتم بناء مؤسسات الدولة الثلاث بشكل قوي ومستقل قبل أن يستأسد بها سلطانٌ ما وأظن أن شعباً هزم الدبابة بلا شك أنه سيكسب الرهان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.