شعار قسم مدونات

السجن

سجن2
مررتُ صبيحةَ يومٍ خريفي بسجن ما في الإسكندرية، فطاف بعقلي طائفٌ من معاناة المُعتقلين ولوعة أهليهم، فغُمَّ علي وساء صباحي، وتمتمتُ ببضعِ دعواتٍ على فرعونِ مصر والشام -لا سقي الله قبريهما- ومن والاهما أجمعين، وفكّرت..

مررتُ بالسجن، هل للمُسافر أن يئوب؟ لليل أن يغدو إلى لا شيء؟ وللغياب أن يغيب؟ هل للمخافة أن تغيض؟ للعسكر أن يتوقف عن زيادة الحياة تعقيداً؟ هل للشدّة المنتشرة طولاً وعرضاً أن تُفرَج؟ هل للدوائر أن تدور على من عاش دهراً يرسمُها للأبرياء؟ هل للحق أن يعلو؟ وهل للحياة أن تصيرَ حياة ولو قليلاً؟

من للمساجين؟ من للمساكين؟ من للأقوياء الضعفاء؟ من للأطفال الكبار؟ من للنساء الرجال؟ من للوجوه النضرة والنفوس الخَضِرة؟ ومن للمتّشحين بالبون المُلتحفين بالعراءِ، المدّثّرين بالآمال المُبتسرة والمُني المُرسلة المستترة وراء حجب الغيب؟ من للعيون المُكتحلة بالسواد، وللأرواح الطاعمةِ على البُعد، والنفوس المَحيكةِ على مِغزل الظّلم والنّقيصة؟ ومن للأبدان المحصورة دون سعةِ الدنيا بأسرها بين أربعة حوائط وقضبانٍ وجاويش متجهم الوجه؟

و ليس السجن محضَ قضبانٍ وأسوارٍ وغيابٍ قسري، السجنُ أطروحةُ استكبار وافتئاتٍ علي حق منحه الله للمخلوق في الحرية والعيش، السور الأصفر والبرجُ العالي والمدرعة الصدئة والجنديُّ الغافي.

ومن على الطواغيت؟ من على من لا يرقبونَ في مؤمن ولا كافر إلّاً ولا ذمة؟ من على الحُلل الرسمية البيضاء والسوداء، والوجوه السمجة والشوارب الكثة واللحى الحليقة، من على السياط والقضبان والبنادق والأسوار وأبراج المراقبة؟ من للحق اللجلج ومن على الباطل الأبلج؟ من لمن لا أحد له؟ ومن علي من لا أحد َعليه؟

و ليس السجن محضَ قضبانٍ وأسوارٍ وغيابٍ قسري، السجنُ أطروحةُ استكبار وافتئاتٍ علي حق منحه الله للمخلوق في الحرية والعيش، السور الأصفر والبرجُ العالي والمدرعة الصدئة والجنديُّ الغافي قليلاً هي الفاصلُ بين حياتين، حياة الحياة وحياة كالحياة، فكرت، هل للإنسانِ أن يمنح نفسه حقَّ منح الحياةِ والموت؟ هل لمزايا العقد الاجتماعي أن تُغني عن جريمة الدولة في حق الإنسان؟

دلفتُ إلي المشفي، قطعَ حبل أفكاري صوتُ صديقٍ مُحَيٍّ بصوتٍ لما يفارقْهُ النوم بعد، رددتُ عليه وعقلي بعيد، نظرة أخيرة، فكرتُ بأن هنالك من هم أحقُّ بالسجن من الأطهار وراء تلك الأسوار، لكنهم بدلاً من ذلك يقبعون في حُلل رسميةٍ ومواكبَ وحفاوةٍ لا تنتهي، يستنجزون حق الناس في الحياة، ولا يزيدُهم ذلك من الناس إلا إجلالاً وحمداً.

هل قُدّر للعدالةِ دوماً أن تكون الطرَف الأضعف الذي ينخمدُ تحت وطأة قدِّ السُلطان وقديده؟ وهل كُتبَ على الظالمِ أن يكون ذا الصوتِ الأعلى، والساعد الأقوى، والسيفِ الأمضي، والسنانِ الأنكى، والعقل الأدهى؟ لم أرَ يوماً ظالماً مدحوراً ومظلوماً منصوراً إلا لماماً، على تباين المظلوميات، دقّها وجلها، كبيرها وصغيرها، خطأها وعمدها، غثّها وفدحها، كلها تشتركُ في المصير المؤلم و المآلِ اممضّ..

من للمساجين؟ من للمساكين؟ من للأقوياء الضعفاء؟ من للأطفال الكبار؟ من للنساء الرجال؟ من للوجوه النضرة والنفوس الخَضِرة؟ ومن للمتّشحين بالبون المُلتحفين بالعراءِ، المدّثّرين بالآمال المُبتسرة.

أما من استثناءٍ يدحضُ تلك القاعدة الأسيفة؟ أسئلةٌ كثيرةٌ، لا مقطوعة ولا ممنوعة، حار فكري في تتبعها إلي أجوبتها الشافية، فلم أنلْ منها قدرَ نقير، حتى إذا نالَ مني التعبُ مبلغه، وتنحنحَ المحاضرُ إيذاناً ببدء الدّرس، طلّقت فكَري واشجاني وخواطري الكلمى، ولم أجد بداً من أن أنصرفَ إلى عملي الموقوت.

علي هامش الصورة سجنٌ، وفي السجنِ شابٌ، لمّا يهِن بعدُ، قال الجنرالُ كلمتَه؛ فحملوه حملاً إلي الزنزانة، "الكلامُ جرمٌ وأنت مجرمٌ حتي النخاع"، لذا فاطلب العفوَ من السامريِّ أو لا مناص .. سجنٌ، وفي السجن شابٌ، له أم ٌوأبٌ، محدودبُ الظهر، وجهه ورقةٌ كرمشتها يُ الزمان، وله أخٌ وأختٌ، وحبيبةٌ زهرية الخدِّ، لم يبالوا بهم، اودعوهُ الزنزانةَ وألبسوه العراء.. ليس له من سلوى إلا الله، حين يفني الطعامُ ينادي الله.

حين يمسك جاويشٌ متجهم الوجه بالسوط ويوسعه ضرباً، حين يُعتم ليلُ السجن البهيم، وحين تكونُ الحياة هي الوقت والمغزى. وحين يكون السؤالُ ويطغي علي الكائنات من حولِه، حين يمورُ السفين وتتقاذفه الأمواج، فثمَّ وجه الله، يؤسي الجراحَ، ويجعل في الشوك ورداً، وفي العلقمِ الأقحوان..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.