شعار قسم مدونات

إلى صغيري

blogs-baby
الآن أفهمها تماما، أجلس قبالة صغيري النائم- بالضبط كما كانت تفعل هي-، حسنا، حان الآن موعد الطنين المنتظم في رأسي -حفلتي الموسيقية الباكرة-، هناك العديد من الأسئلة! هل أفعل الصواب؟ ما ذنب هذا الصغير؟ أهمس له كي أخيره في أمري الذي بالكاد حسمته مع نفسي، ربما.. يثنيني أو.. حسنا! حبيبي هل تذهب أمك أم تبقى معك؟

يفتح عينيه اللوزيتين، يجدني أمامه ويبتسم، ربما هذه إجابته! أقوم بتهدئة روعي بعبارات باردة، أحمله بين ذراعي ولا ألتفت له. أنا يا صغيري لا أحب الوداع، ولا أحب أن ترى الدمع في عيناي حين أتركك، أنتَ ضعفي فيما أنا قوتك، أستكمل طريقي مدفوعة بطمأنينة زائفة، أتذكرها ثم أبتسم.

لا أعلم إن كنت ستذكر يوماً هرعي إليك فور دخولي المنزل، تجاهلي للجميع سواك، تكاسلي عن النزول أصلا، أو حتى انهمار أدمعي لحظات خروجي المبكر فور أن أتركك!

أنا لا أجيد الحكايا كثيرا، ولو أن لي قدرة على ذلك لأخبرتك عنها وعني الآن، تلك المرات التي جلست فيها أمامها لا أستطيع الكلام -مثلك تماما- وتَرَكَتني. أخبرَتني أني كنت أبكي حينها، وأن داخلي كان يود لو أن لا تقوم بالرحيل، أبكيك وأبكي نفسى إذا.

أنا يا صغيري مرغمة وواهنة وراضية أيضا، ولكنى أبغض الفراق وإن كان وقتي زائلا، ولا أخفيك سرا أنني أكره كل ما يعيق أمومتي، دراستي وعملي أو حتى أي خرف عقائدي موضوع، أكره نفسي حين تتركك وهي بحاجة إليك أكثر مما تحتاجها أنت.

القدر يا صغيري قوة غالبة لا معيق لها، وأنا قُدِّر لي أن أتزوج وأنجبك قبل أن أستكمل دراستي، كنت أواجه حياتي بواقعية تماما حتى كانت أول رفرفات منك بداخلي، شاركتني نفسي منذ البدء فكيف لا تنازعني أمومتي في نفسي إذاً!

أفنيت عمري الذى لم يتعدى نيِّفاً وعشرين عاما في الدفاع عن مكانة المرأة التي لا تتحقق إلا بالعمل، ولا يتم تصنيفها من ذوات القامات والقيمة في المجتمع إلا به، ولكنني كنت أجهل عنك وعن قدومك إلى دنياي، كنت أجهل عن أمومتي التي تعطيني بالقدر الذى تأخذه مني!

دعني أحدثك عن جدتك، عن تلك المرات التي حاولت فيها أن تثنيني عن رغباتي وقناعاتي، وهي تلك المرأة العاملة في أرقى كادر مجتمعي، كانت تتركني لساعات تتجرعها علقما، وكنت أنا الصغيرة لا أعي شيئا غير مكانة أمي المرموقة، ربما احتجتها في داخلي ولا أذكر، ولكن هي التي توحشت غياب أمومتها ولا ريب.

أنا يا صغيري أعترف بحماقتي وتعسي حينما استسهلت أن أنجبك وأنا في أوج دراستي الجامعية، تلك الساعات التي تمر صعبة على لا تنفك صورتك تلازمني، يؤلمني بكاؤك على صدري، ولو كان لي الخيار الآن لتخليت عن حماقة الفتاة ما قبل العشرينية لأعيش كل لحظاتي معك.

لا أعلم إن كنت ستذكر يوماً هرعي إليك فور دخولي المنزل، تجاهلي للجميع سواك، تكاسلي عن النزول أصلا، أو حتى انهمار أدمعي لحظات خروجي المبكر فور أن أتركك! الآن فقط أتسق مع فطرةٍ جُبلت عليها، فأنا أعيشك واقعا في قربي منك وحلما في ساعات ابتعادي عنك، ولتذكر يا حبيبي أنني مرغمة وواهنة وراضية أيضا وأنك ضعفي فيما أنا قوتك !

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.