شعار قسم مدونات

موت الشرير

blogs-alien
يحاول أبطال هوليود إقناعنا بأن الشر يأتينا من الفضاء الخارجي، أو من باطن الأرض، أو من عدو مجهول يشبهنا ولا يشبهنا. عشتُ مدة طويلة، لم أقابل فيها مصاص دماء واحد، لم يطاردني مستذئب في ضوء القمر، لم يأكل دماغي زومبي، ولم يسرق جسدي مخلوق فضائي بدائي يملك تكنولوجيا متطورة! أنا بخير، وكانت البشرية لتكون بخير، لولا بعض "البشر"!
عن موت الشر أتحدث! يصيبني الرعب أحيانا بعد متابعة فيلم تدور أحداثه حول الغرباء من الفضاء أو الموتى الأحياء أو مصاصي الدماء، أو أي كائنات أخرى لا يتصورها إلا كل عقل مريض، وأصرّ اصراراً ملحاً حد الهوس أن أشهد لحظة القضاء على الشرير قضاء مبرماً، وإن عنى ذلك أن أتابع عشرة أجزاء لاحقة يعود فيها الشّر إلى الحياة بطريقة ساذجة، تلك اللحظة في نهاية الفيلم التي تضيءُ فيها عَين الوحشِ باللّون الأحمر وتُحيل حياتي إلى جحيم بنفس اللون، بل أشد!!

والدتي لم تشهد حرب غزة التالية، ولا فض رابعة، ولا الإبادة الجماعية المستمرة للسوريين، لم تراقب أهل الموصل وهم يتحولون إلى كتل مدمية مرمية على قارعة الطريق.

وأتخيل نفسي أحياناً في مواجهة أحد هذه الوحوش، فأحارُ! إذ لو أنه كان غريما بشريا، لاستطعت هزّ قسوته الظاهرة، ولأنقذت روحي، وربما روحه أيضا من الظلام المحيط بنا، نصل إلى حد أدنى من التفاهم فنعيش في سلام ووئام! ولكن كيف سأخاطب كائناً ليس عاقلاً لا يهتمّ إلا بالبطش والذبح و"الفَغْم" لأقنعه بأن عظمي مر، وأن دماغي لا يكفي لإسكات جوعة روحه، وأن جسدي الهزيل لا يصلح ليكون حاضنة حية لجيل الطفيليات الذي سيغزو الأرض ويقضي على الحياة فيها، فأنكفئ على نفسي وتضيع كل توسلاتي بالرحمة أدراج الرياح.

والدتي رحمها الله، والتي كان "يكشّ" بدنها عند رؤيتها لفرخ "حيّة" تعرض صورته على التلفزيون.. قررت مرة أن تسليني وأنا أتابع فيلم رعب عن أحد هذه الكائنات، بعد عدة لقطات ظهرت ملامح التقزز على وجهها، وأدارت رأسها للجهة الثانية وهي تحوقل. عندما بُثّت صور الحرب الأولى على غزة؛ رأيت التأثر على وجهها، والذي تحوّل إلى دمع غزير سال على خديها، نظرت يومها إلي وقالت: "يمّه.. ترى ما في أوحش من بني آدم!"

والدتي لم تشهد حرب غزة التالية، ولا فض رابعة، ولا الإبادة الجماعية المستمرة للسوريين، لم تراقب أهل الموصل وهم يتحولون إلى كتل مدمية مرمية على قارعة الطريق، لم تشهد إحراق الناس وهم أحياء وهي التي كانت تنهانا عن حرق النمل بأعواد الكبريت وهي تردد: لا يحرق بالنار إلا رب النار، لم تشهد تحول البشر إلى أرقام عارية على شاشات الفضائيات، ولا الكثير من الأحداث التي لا يقبلها عقل أو منطق.

رحمها ربي، وأشقانا بالبقاء شهوداً على تنكر الإنسان لإنسانيته، لكن عبارتها في ذلك اليوم لا تزال تطنّ في أذني: "ما في أوحش من بني آدم"… وما زلت أنا في انتظار أن يموت الشرير!!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.