شعار قسم مدونات

تمييع الهوية المشرقية.. وخلق هوية شرق أوسطية جديدة

blogs - نتنياهو في أمريكا
تظل لحظات سقوط الإمبراطوريات تغوي الباحثين بالعودة إليها، فثمة جاذبية خاصة في تلك الحقب المفصلية للإمبراطوريات تدفع أصحاب الاختصاص الكشف عن جوانبها وتسليط الضوء على تلك الظاهرة بكل تفاصيلها.. فمنذ أفول الإمبراطورية العثمانية وبداية القرن العشرين، ازدحم التاريخ بأحداث مهولة، وأُسس للعالم وتقسيماته ودوله وحدوده كما نعرفها اليوم، بالتوازي تقريباً مع النهوض الغربي الحاد، العلمي والفكري.

فبعد أن عد العتاد انفتحت شهيته على الاستعمار والذي حل فوراً في منطقة المشرق العربي حاملاً معه السلاح والعتاد والدراسات والاستراتيجيات بعيدة المدى، أسفرت حتى الآن عن تنفيذ أكثر من 70 % من مشروعها الكبير، مشروع الهدم ثم البناء، التفكيك ثم التركيب، على أسس تسمح بتشكيل وترتيب أوضاع المنطقة لتقبل النموذج الليبرالي عبر الديمقراطية الغربية.

وهو ما كرّس وسيكرس التبعية العمياء لذلك النموذج الإمبريالي البراغماتي الساعي إلى تفكك أواصر المجتمع والتي تهدد أمنه الشامل، فكرياً وسياسياً واقتصادياً ومجتمعياً، إن لم تحدث ثورة على مستوى عقل الفرد المسلم يعي ما يعده الآخر من قوة، واختلاقه لأساليب تبعد أنظار العرب عن مخاطر النظام الجديد الذي يطرحه وهو حق يراد به باطل، ويهدم بأساليب عديدة فكرة العروبة والإسلام والوحدة، وتسخيف المبادئ والأهداف التي اجتمعت عليها الأمة، وتعميق الانفصال والتجزئة بين الدول العربية بعضها بعضاً بإنشاء كيان فوق قومي أو متعدد القوميات مما يسمح بتمكين الكيان الصهيوني في المنطقة، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لعرفنا أن أصل هذه الفكرة مأخوذ من المرتكزات الحداثية الليبرالية، وهي فتح الأسواق والاندماج وفصل الدين عن الدولة…إلخ.

ومنذ سايكس بيكو 1916، رسم الغرب مخططات تفيد بتقسيم منطقة المشرق العربي إلى دويلات صغيرة وأعاد صياغتها جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً وحضارياً من خلال إقامة ترتيبات أمنية وسوق مشتركة لخدمة الأهداف والمصالح الأميركية والصهيونية في المنطقة، فالصراع على ثروات وهوية المنطقة وطابعها الإسلامي والمخططات الأميركية الصهيونية هي حجر الزاوية وجوهر صياغة النظام الإقليمي الجديد فيها.

العالم العربي عموماً والإسلامي خصوصاً، أمام تحديات كبرى مصيرية ومنعطفات تاريخية خطيرة تستهدف كيانه وأمنه واستقراره، تستدعي من مفكريه وعلمائه وقادته النهوض بمواقفها والإمساك بمشروعها التوحيدي.

إن التحليل الدقيق للمشاريع الإقليمية الشرق أوسطية تبين بجلاء الدور الصهيوني فيه والمصالح الكبرى التي يجنيها منه، حيث سعت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها إلى إدماج هذا الكيان في خريطة التفاعلات في المنطقة بدعمها لمشروع "الشرق أوسطية" الذي جاء به "بيريز"، ظاهره اقتصادياً، إلا أن جوهره سياسي، بحيث يجعل من هذا الكيان محور تفاعلاته مع ما يتضمن ذلك من تمييع للهوية العربية، فعندما يتم القبول في أواسط المجتمع العربي تلك الأكذوبة _الكيان الصهيوني_ التي تمشي بيننا بلا أرجل وتعلو العالم بلا منطق، بالإضافة إلى تكملة مشروع سايكس بيكو في ظل غياب إرادة عربية وآليات ورؤية موحدة بعيدة المدى، سينتج عنه كيان أقوى وأقدم من الدويلات التي ستظهر لاحقاً وهذا من شأنه أن يزيد من شرعية وجوده كدولة قومية مزعومة، وهذا ما لا يقبله العقل والمنطق والدين.

فسابقاً في وقت مضى، كان الوجود الإسرائيلي مرفوض من حيث المبدأ، أما اليوم فقد أصبح حل الدولتين الأكثر قبولاً عربياً! ودولياً، وهذا القبول هو جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، اهتمام الدول العربية بقضاياها الداخلية وخلافاتها البينية، وفي المقابل تقزيم الصراع إلى كونه فلسطيني- إسرائيلي ساهم في تأكيد الوجود الإسرائيلي في المنطقة، والأكثر من ذلك حولها إلى فاعل إقليمي مهم في نظر القوى الكبرى، ومشاريع التسوية المطروحة الآن لحل بعض الأزمات العربية ما هي إلا وثائق لاستراتيجيات تقسيم طرحت في السابق من طرف برنار لويس وغيره لخلق واقع جديد وكيانات جديدة يجعل من الكيان الصهيوني مكونا طبيعيا في المنطقة، ومن ثم التحول في البحث عن مدى شرعية هذه الكيانات الجديدة بدل البحث في شرعية إسرائيل!

ما يمكن قوله، أن العالم العربي عموماً والإسلامي خصوصاً، أمام تحديات كبرى مصيرية ومنعطفات تاريخية خطيرة تستهدف كيانه وأمنه واستقراره، تستدعي من مفكريه وعلمائه وقادته النهوض بمواقفها والإمساك بمشروعها التوحيدي، ووضع استراتيجيات تواكب حركة التاريخ ومتطلبات العصر، ويؤسس لها تراث الأمة ومكونها الحضاري ونموذجها المعرفي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.