شعار قسم مدونات

فتى الجنوب وآخر شموس غرناطة

blogs - andalus
أحلى ما في شمال المملكة المغربية هو تلك النسائم الأندلسية وذلك العبق الأبدي الفواح الذي لا ينضب عبيره ولا يمحو الزمن أثره كالحب الأول، كاستيقاظ الحنين، كالشوق الدفين، تأتي رياح الشمال محملة كل يوم برسائل معطرة من ذلك العبق مطرزة بالجمال وهي تحكي في سعادة ونشوة قصص حضارة عمرت لقرون، تخاضبت فيها الفنون والآداب والعلوم وتزاحمت القيم والمبادئ والفضيلة ومخضبة بالجلال والرهبة وهي تستحضر في انكسار وتأثر النهايات الحزينة كمآسي المورسكين، كالتعميد الإجباري، كسقوط غرناطة كمحاكم التفتيش.

لا يمكن لتلك الرسائل الشمالية العبقة تاريخا ووجعا أن تخطئها حشاشة روح فتى من جنوب الجنوب اتخذ من قلبه شراعا لرحلته يخترق به جدران الزمن كبراق لا توقفه الحدود ولا يتناغم في حركته مع قوانين الفيزياء الكلاسيكية لأنه تهجى حرقة حب فاتنة تسمى (غرناطة) ملكت شغاف قلبه واختراق جدران شراينه.

 لماذا طاب لك المقام في الأبد فرفضتي أن يشرق لك طيف من جديد هل هو إنتظار لحمحمة خيول بن زياد أم تباريح شوق إلى صهيل جياد بن تاشفين؟؟

ولأجل ذلك العشق والهيام صلى ركعات تبتل وحبور في محراب حب كل الأندلس خاشعا لجمال طليطلة وصامتا أمام حسن إشبيلية وحصن طرش والجزيرة الخضراء ومطأطأ رأسه رهبة وجلالا لقدر قرطبة النار والنعيم، فذلك الفتى الجنوبي الذي ذاب شوقا لتنسم كل تلك الأطياف وانتشى أملا لمعانقة كل تلك المعالم يوما طوحت به الأقدار وحملته سفائنها من أحضان حبات الرمل ومعلقات الشعر وبراءة البداوة وغياهب النسيان إلى مظان حمى حبيبته ومرابع صبا من سبته واستوطنت فؤاده (كأنها ديار العامرية بل لعمري كأنها آثار يوم الطين).

فشمال المغرب هو الوجهة الكبرى لكل الأندلسيين الذين غادروا المركب وجرفهم موج خسارة الأرض واستباحة العرض فاحتضنتهم برفق وحنان نوارس (جنوب الشمال) ترحيبا بهم بلابل هذه البقعة من الكون … ولأن حركة التاريخ تفاعل أبدي بين برق الحاضر وطيف الماضي وفي لحظات تصوف وتجلي يصوب الفتى عينيه نحو بريق شمس تترى له فيلحظ أضواء ذلك البريق وهي تخبو شيئا فشيئا وتكابد مواجع الغروب حاثة الخطوات لتختفي وراء الأفق وتفسح المجال لأمواج الظلام المطبقة القادمة لتتحكم في خيوط اللحظة وتتسلم مقاليد السيطرة على الزمان والمكان فتنثر سوادها وحلكتها كما نثرت فوق العروس الدراهم …

ولأن شماعة الرحيل قيد أبدي لطالما هربت منه أفئدة العشاق واحتمت من لهيبه مهج المحبين فغروب هذه الشمس وحقائب رحيلها الحزينة هذه تحلق بوجدان الفتى شمالا لتوقظ المشاعر الدفينة ولتشعر ذاكرته بوخز يعود بها إلى ذلك اليوم الحزين يوم غربت آخر شمس إسلامية وعربية على فاتنته ومليحته غرناطة، يوم خبت أشعتها واستسلمت للأبد الغامض الرهيب.

لأجل ذلك العشق والهيام صلى ركعات تبتل وحبور في محراب حب كل الأندلس خاشعا لجمال طليطلة وصامتا أمام حسن إشبيلية وحصن طرش والجزيرة الخضراء.

حتما كان ذلك الغروب صعبا ونازفا فحتما وقف أحد فتيان (حي البيازين) يرقب المشهد وهو يسبح في بحر الألم واليأس وتطلعت إحدى جميلات (عين الدمع) من شرفتها لتراقب بصمت ومغالبة للدموع تلك الشمس التي رحلت وحملت معها النشيج والخوف والألم والأمل في أنها كربة ستنفرج وينبلج صبح ظلامها ذات يوم …

أفلت شمس ذلك اليوم حاملة في طياتها أطياف من التناقضات الغريبة التي اصطفت على شواطئ الذاكرة ككلمات متنافرة بين دموع آخر ملوك بني الأحمر وتمتمة دعوات إمام جامع غرناطة وهو يودع ملائكة النهار ويستقبل ملائكة الليل براءة طفل متعلق بثوب أمه يثقل قلبها المتعب بأسئلته المتطايره عن القادم المجهول وعلى الطرف الآخر قهقهة غنج ودلال ترسلها أميرة قشتالية وهي تبادل وصيفتها أطراف الحديث وتعدها بوشاح حريري ذهبي اللون من بقايا ما تركت نساء بني الأحمر في غرف قصر الحمراء.

وآخر أطياف التناقضات التي حملتها تلك الشمس صلوات قس معانق لصليبه يمجد الرب ويردد أنه في ملكوته وعليائه قد عطف عليهم أخيرا وطرد الأغراب من أرضه وردها لحظيرة (عباد الرب) … يستحضر الفتى كل تلك اللحظات والمواقف كأنها مشاهد فيلم تاريخي متقن الحبك متسلسل الأحداث يعرض أمام عينيه يقلب الفتى نظره ويتمتم في داخله ثم يرفع بصره إلى الوجهة الوحيدة التي يعرف إلى الشمال ويطلب من شمس مدينة تطوان المغربية (بنت عم غرناطة والمتعطرة برائحتها) أن تتمرد على نواميس الكون وتخترق جدران الزمن الرديء لتحمل رسالته إلى شمس غرناطة الأخيرة فتقول لها:

قاسية وصماء أنت يا شمس ذلك اليوم بل وبكماء وخرساء كيف جمعت خيوط ضوئك كل ذلك الطيف من التناقض؟؟ لماذا استعجلت المسير كالمخطئين دون أن تستطيعي سرقة النظرة الأخيرة إلى قصر الحمراء إلى حدائق غرناطة؟؟ لماذا لم تكفري عن خطيئتك بمسح دمعة فتاة عين الدمع أو طمأنة فتى حي البيازين؟؟ لماذا طاب لك المقام في الأبد فرفضت أن يشرق لك طيف من جديد هل هو إنتظار لحمحمة خيول بن زياد أم تباريح شوق إلى صهيل جياد بن تاشفين؟؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.