شعار قسم مدونات

عمر مكرم وثورة الناس الطيبين (1)

blogs-عمر مكرم
يُمثل السيد عمر مكرم العالم الأزهري الفاضل، وآخر الزعماء السياسيين الأزهريين في مصر، ونقيب الاشراف فيها ـ وآخر تلميذ ـ بالمعنى المجازي ـ من تلامذة الإمام الخراشي شيخ الجامع الأزهر الذى كانت تهرع له العباد في أوقات المحن، للدرجة التي جعلت من كلمة "ياخراشى" في بعض الأوساط المجتمعية المصرية حاليا كلمة تفيد الاستنجاد أحيانا، والتعجب أحيانا، وأحيانا أخرى التندر والسخرية ـ حالة فريدة في تاريخ مصر الحديث، ربما لا يكون قد سلطت عليها الأضواء بما يكفي مقارنة بما هم دونه مكانا ومكانة.

وتظهر فرادة شخصية عمر مكرم الإنسان والقائد في أنه عايش وعاصر ثورتين شعبيتين كبيرتين كاد أن يتغير لهما وجه التاريخ في مصر المحروسة، في فاصل زمنى يزيد على المائتي عام، كان في الأولى بروحه وشحمه ولحمه قائدا وملهما وزعيما وطنيا مخلصا، وفي الثانية كان فيها ببدنه الحجري محذرا ومنبها ومرشدا لتشابه طبيعة الثورتين الشعبيتين وتشابهما في كونهما يصح تلقيبهما تاريخيا بثورتي الناس الطيبين.

رغم تضييق محمد علي على الزعيم عمر مكرم بإبعاده عن حاضنته الشعبية وإبعاد تلك الحاضنة عن زعيمها وملهمها، قبل النفي عن القاهرة بأسرها، إلا أن ذلك لم يحل بينه وبين القيام بدوره النضالي.

بدأ الزعيم الشعبي القُح عمر مكرم، بن مديرية أسيوط عاصمة الصعيد ـ والذى لم تتدخل في صناعته على عينيها أو تصطنعه لنفسها دائرة من الدوائر الاجنبية ـ حياته السياسية النضالية كزعيم وملهم روحي وقائد تعبوي في قيادة وتعبئة المصريين ضد حكم الأميرين المملوكيين، مراد بك وابراهيم بك في عام 1795م،ورفع ـ في ذلك الوقت البعيد ـ مطالب الرعيّة بتطبيق مواد الشريعة الإسلامية وإقامة دولة العدل بين الرعية ورفع الضرائب عن كاهلها المُثقل بالفقر والجهل والمرض.

وعندما قدمت إلى أرض المحروسة حملة المحتل الفرنسي في عام 1798م وقف لها بالمرصاد كزعيم شعبي خالص يدفع الناس دفعا للدفاع عن الأرض والعرض والدين، وككل الشرفاء الخُلّص رفض قبول دعوة الفرنسيين له بالدخول كعضو إلى ديوانها الأول بعد أن سقطت القاهرة في أيديهم، فخرج بذلك من القاهرة خائفا يترقب وما عاد إليها إلا باندلاع ثورة القاهرة الثانية في عام 1800م والتي أرغمت الفرنسيين على الخروج من مصر في عام 1801م، ليعود إلى كرسي زعامته الخالصة من جديد في وجدان وقلوب المصريين.

وبلغ أوج نضاله السياسي والذى كان له أبلغ الأثر ـ وان كان غير مباشر ـ في تغيير وجه التاريخ في مصر، الذى دخلت فيه مصر بعدها في النفق المنظم والمُحكم والطويل للاستبداد والاستعباد الممتد حتى يومنا هذا، وكان ذلك في ثورة القاهريين ضد الوالي العثماني خورشيد باشا في عام 1804م، والتي انتهت بخلعه شعبيا وسياسيا من قبل الدولة العليّة العثمانية، وتسكين الداهية الأمي محمد على بدلا منه واليا على مصر المحروسة بطريقة فريدة من نوعها ـ ربما لا تكون غريبة على شخصية محمد على الفريدة أيضا ـ في تسكين وتعيين الولاة العثمانيين على ولاتهم المختلفة، وكان ذلك التسكين والتعيين معلقا على شرط فاسخ واضح وصريح من قبل جبهة الزعيم عمر مكرم مضمونه : "بأن يسير بالعدل، ويقيم الأحكام والشرائع، ويقلع عن المظالم، وألا يفعل أمرا إلا بمشورة العلماء، وأنه متى خالف هذه الشروط عزلوه…".

ووافق "محمد علي" على كل ما سبق بدون تحفظ، مداهنا حتى يمر من تحت سيف جبهة العلماء بقيادة عمر مكرم، بل كان متمنعا في القبول بذلك التكليف الشعبي من قبل الثوار المصريين، رغم أنه كان قد مهد لذلك الاحتواء والقبول في قلوب المصريين بأن أطلق الأوامر لكتيبته الصغيرة بمعاملة القاهريين برفق ولين متميزين بذلك عن بقية الفرق العسكرية الأخرى التي كانت تمرح في شوارع القاهرة تحت سلطان دولة المماليك التي كانت قد تهيأت شمسها للغروب وإلى الأبد.

تظهر فرادة شخصية عمر مكرم الإنسان والقائد في أنه عايش وعاصر ثورتين شعبيتين كبيرتين كاد أن يتغير لهما وجه التاريخ في مصر المحروسة، في فاصل زمنى يزيد على المائتي عام.

وما إن جلس محمد علي على سرير الحكم حتى بدأ في التخطيط لتفكيك الجبهات المناوئة، أو التي قد تناوئ حكمه، أو تحول بينه وبين عدم الاكتفاء بمجرد كونه شكليا، مجرد والى عثماني ككل الولاة العثمانيين، واتجه إلى الجبهة الأهم لاتصالها بالقاعدة الشعبية التي خلعت سلفه وأتت به، وهى جبهة علماء الأزهر لتبدأ على يديه رحلة "مشايخ الوقت" على حد توصيف عبد الرحمن الجبرتي لهم، والملقبين هذه الأيام بمشايخ السلطان في القاموس السياسي الفصيح، وفي القاموس السياسي الدارج بالشيوخ "الأمنجية"، وصوب معظم ما في جعبته من سهام لتلك الجبهة إلى شخص الزعيم عمر مكرم فنفاه إلى دمياط عام 1809م بعد أن بدأ عمر مكرم يتململ من خرق محمد على في الحكم لذلك الشرط الصريح الفاسخ في عقد توليته.

ورغم تضييق محمد علي على الزعيم عمر مكرم بإبعاده عن حاضنته الشعبية وإبعاد تلك الحاضنة عن زعيمها وملهمها، قبل النفي عن القاهرة بأسرها، إلا أن ذلك لم يحل بينه وبين القيام بدوره النضالي كزعيم روحي مهيب في صد حملة الانجليزي "فريزر" على مصر في عام 1907م،وعندما عاد الزعيم الذى بدأ المشيب يطعن في شبابه من منفاه الذى كان في دمياط، رده محمد علي بعد وقت إلى المنفي مرة أخرى، ولكن هذه المرة إلى طنطا بعد أن كادت تقوم ثورة شعبية كاسحة ضده في عام 1822م، بموجبات وأسباب ثورية أقوى من التي خلعت سلفه وأتت به، رغم أن الزعيم في ذلك الوقت كان قد اختار العزلة والوحدة بعيدا عن محيط الزعامة والتوجيه والإرشاد، ومات الزعيم كمدا في طنطا في ذات العام الذى نفي اليها فيه.
يتبع…

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.