شعار قسم مدونات

أرطغرل

blogs - أرطغرل

في فترات الانهزام الحضارية والاحساس بانعدام الهوية يلجأ كل منا إلى شئ يجدد به طاقته ويشعل به عزيمته والناس في ذلك مذاهب شتى. فمنا من يبحث عن محفرات حقيقيه كتعلم لغة جديدة، تفوق في دراسة تخصص في علم جديد، أو السفر للتعلم من الناجحين. ومنا من ينزوى يبحث في أعماق نفسه عن شئ قديم كان يجيده  يوما ما لعله يذكره بمهارة افتقدها، موقف احسن فيه التصرف أو ماض جميل يحن إليه يرى فيه مجدا غاب عن حاضره كما يسميه أصحاب علم النفس "النوستالجيا".

وقد لا يعاب هذا، أما العجيب حقا أن نبحث عن فضائل آخرين لنفتخر بها ومحاسن غيرنا فنبرزها،  والأعجب من هذا أن يتحول الأمر إلى عدوى جماعية نوستالجيا جماعية إلى الماضي الجميل، كأن القوم أصبحوا في يوم وليله بلا عمل يحركهم لحاضرهم ولا نجاحات يوميه تضيئ لهم مستقبلهم.

ليس يغنى الحسيب نسبته بلا لســـــــــــــان ولا أدب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من قال كان أبى

الحنين إلى الماضي لا يهجم على الإنسان صباحا ومساء إلا إذا غابت الإنجازات في وقته الراهن فيستعيض عنها بذكرى نجاحات يلتمس بها قوت يومه!

الكل أصبح في شوق لمن يحيى فيهم أموات ماضيهم التليد، من يريهم أشخاصا سمعوا عن حكمة أفعالهم وعظمة شواهدهم ليلتفوا حولهم ليرووا ظمأ قلوبهم لأيام سطرنا فيها حضارة اتسع لها المشرق والمغرب، وما أوضح من مسلسل أرطغرل نموذجا على ذاك، فقد حاز على أعلى نسبة مشاهدة عربيا من بين غيره .فتابعه بشغف الصغير قبل الكبير والتفت حول أبطاله أفراد الاسرة يتناقلون بينهم أخبارهم.

فهو يحكى قصة قوم شيدوا صرحا إسلاميا خالصا على أكتاف رجال حملوا هم نصرة دينهم لتشرق شمسه في أ رض بعيده عن أوطانهم ويسطروا مجدا امتد لأكثر من أربعة قرون مزهرة .حاملا الكثير من الرسائل الإيجابية في طياته، حاثا على الجهاد في سبيل الله والأخوة الإيمانية، وجميل العادات والتقاليد و الاعتزاز بالهوية الإسلامية.

والتركيز على أن الاستمساك بمراد الله في كل أمر هو سبيل النجاة، وأن الابتلاء طريق الأنبياء، وأن الفتوحات لابد لها من كتاب يهدى وسيف ينصر. معان افتقدناها، وفاض منا الحنين لرؤياها وتاه منا طريق لقياها لهذا التف حوله الكثير وكأنها محاولة جماعية للهروب من واقع مرير تراجع فيه كل أمل لتحقيق كل ما سبق فالتمسناه في أبطال أرطغرل متمثلين قول الشاعر:

مـا لــي وللنـجـم يرعـانـي وأرعــاه أمسـى كلانـا يعـاف الغمـض جفـنـاه

إنــي تـذكــرتُ والـذكــرى مـؤرقــة مـجــدا تـلـيــدا بـأيـديـنـا أضـعـنــاه
كــم صرفـتـنـا يـــد كـنــا نصـرفـهـا وبــــات يمـلـكـنـا شــعــب مـلـكـنـاه

تقول "إريكا هيبر" محاضرة في كلية علم النفس بجامعة سوري في إنجلترا إن الحنين للماضي هو العاطفة الدافئة الغامضة التي نشعر بها عندما نفكر في ذكريات رائعة من ماضينا، غالبا ما يشعر المرء بالسعادة ولكن مع مسحة من الحزن لأن كل ما نتذكره قد فقد بطريقة أو بأخرى.

الحنين إلى الماضي لا يهجم على الإنسان صباحا ومساء إلا إذا غابت الإنجازات في وقته الراهن فيستعيض عنها بذكرى نجاحات يلتمس بها قوت يومه. من الهمة وعجز الإنسان عن مواجهة تحديات واقعه وقد يتوارث العجز أجيالا من بعد أجيال قانعين بماضي جميل تلوكه الألسنة، خاصة إذا عظم التحدي وأصبح البون شاسع بين ما نقرأ وبين ما نرى ونعيش، فيصبح تمنى العيش في الماضي شعار الجميع قديما وحديثا وقد يكون أسوء من واقعه اليوم إن عاش أيام غابت عنه. 

قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي. قال فكيف كنتم تصنعون فقال والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. ثم أخبره حذيفة ما لاقوه من أهوال يوم الأحزاب التي قد يضعف أمامها إذا واجهها هو يوما ما.

لا نقلل أبدا من قيمة الماضي وتذكره على المستوى الشخصي أو الجماعي، فالماضي الجميل دفعة معنويه ومخزون نجاح استراتيجي لكل منا في طريقه. فليس الماضي إلّا كنزاً من المهارات والخبرات والتجارب بدونها يتخبط الإنسان في الحياة.

"لو بدأنا معركة بين الماضي والحاضر فسوف نجد أننا خسرنا المستقبل" (تشرشل)، و لكن أن نستغرق في الحنين و إهمال الحاضر وجعله خالي من إنجازات فناقوس الخطر لابد أن يدق، فالمقصود أن نجعل من الماضي عبره لتفادى عثراته فرب خطوة للخلف من أجل عشرة للأمام، فقديما قالوا هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بإعادته.

الماضي الجميل دفعة معنويه ومخزون نجاح استراتيجي لكل منا في طريقه. فليس الماضي إلّا كنزاً من المهارات والخبرات والتجارب بدونها يتخبط الإنسان في الحياة.

فإذا أردنا أن نجعل من الحنين نبراسا لنا يضئ حاضرنا ومحفزا لطاقاتنا المهدرة فعلينا أن نخلق حاضرا نعيش فيه ملئ بنجاحات يوميه ولو بسيطة وعلى المستوى الشخصي، فإنما السيل اجتماع النقاط، دائما نتذكر كل جميل من ماضينا دون الاستغراق فيه، ونتذكر كيف فعلناها ليسهل تكرارها ونجعل منها ذكريات حديثة تلهمنا في الطريق فإنما عليك بذل الجهد وعلى الله التمام.

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال إذا الاقدام كان لهم ركابا

فعش يومك، ولا تقف على ذكرى ماض لم تراه، واستشرف مستقبلا أنت بطل أحداثه، يومك يومك أيها الإنسان، أروع كلمة في قاموس السعادة لمن أراد الحياة في أبهى صورها وأجمل حللها. فالحاضر هو ميدان العمل فانت محاسب عليه، فاعمل على أن تزينه بإنجازات أنت صاحبها، وآثار أنت فاعلها فيمر عليها الركبان من بعدك مغردين، مر من هنا وهذا هو الأثر. فكن أنت أرطغرل اليوم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.