شعار قسم مدونات

حكاية لاجئ.. وشاء الظلم على ما شئنا أن يكون

blogs - رجل يمشي في سكة حديد
كانت أياما قليلة عاش فيها ذلك المغلوب على أمره في مخيمات اللجوء، بعد أن ولد ليجد نفسه لاجئًا لا يعلم من أين لجأ وإلى أين هاجر، لا يعلم ما سبب تلك التسمية؛ التي التصقت به منذ أن رأى أنوار الحياة القاتمة، لم يرَ بلاده سوى رسومات على الخريطة، لكنه رضي بواقعه وآثر أن يجمع حطام أركانه من جديد، كان من عائلة لا تشكو العوَز في بلده القديم، ولكن الأسف على ما فات لا يعيد شيئًا، فإن زمان المعجزات قد ولى فمن ذا الذي يحيي عظام الذكريات وهي رميم؟

واجه قسوة الحياة بساعديه، وبنى هيكله المتهالك من قسوة الأيام من جديد، وصنع من أديم تراب الأرض قصره الصغير، ونسي فقره وقهره، وانتفض في وجه الحياة مرة أخرى، كان يهتف باسم بلاده وهو صغير، لكنه سمع وصية والديه حينما قالوا "نحن ضيوف على هذه الأرض يا ولدي، التزم الصمت وامش بجانب السور مطأطىء الرأس، ولا تزعج الأحياء بشهيق منك أو زفير، وانتبه لحياتك ومستقبلك فلا زلت ياولدي صغير".. لم يكن يعير اهتمامه لتلك التمتمات، ولم يكن يعلم للقهر سبيلًا، ولا للمستحيل مكانًا في حياته…

فماذا الآن؟ بعد أن أصبحت الحياة لمن استطاع إليها سبيلا، فأي سبيل يختار للحياة؟ وأي سبيل يختار للوطن؟

كبر اللاجىء الصغير في بلاد لم يعرف سواها، عاش تحت سماها، وترعرع على نسائم هواها، لكنه لم ينسَ أنه ابن بلاد كانت على الخريطة باسم (فلسطين)، وتغيرت حروفها لما يتناسب مع العصر الجديد لحروف اسم آخر لا يزال ينكره ويحافظ على قلمه من أن يدنس به.. كان يرسم مستقبله بقلمه ومع المداد شيءٌ من الكرامة يستوجب عليه أن يفكر بالعودة ولو بعد حين.. وما إن كبر حتى اندلعت حرب الغلاء المعيشي على كل لاجئ، في بلاد لا تعرف سوى سياسة الجباية فازداد فقره فقرًا، وازداد همه همًا.

وتحددت سقوف أحلامه بأن لا تتجاوز أسباب الحياة ومقوِّماتها، هو لم ينسَ بلاده ولكنه أرغم على ترتيب جدول أولوياته، فلابد أن يحيا هو كي يعيد لها الحياة… ففي كل مراسم الحياة يكون هناك تفاضل ما بين الناس، وفي عالمنا يخرج الفقير حرِجًا إلى دنياه، يحلم بعض الأحلام ولكنه يجدها تنتكس في طريقه ولا يبالي، حتى وإن كانت أقصى أحلامه كسرة خبز يؤمنها ليومه التالي، يصارع الحياة بكل عزم يتوق لاشتمام الزهور على شرفات الأغنياء، لا يزال مكافحًا كادحًا لا يعرف الرياء، لكنه لاجئ، وقد أصابت قلبه لعنة الحب فهو في النهاية إنسان، ومن ذا الذي يربي ابنته في حجره عقدين من الزمن، يدللها، يربيها، ويحميها، حتى يزج بها في بيت فقير لاجئ معدم ما خُلِقَ إلا للعناء ولا يملك من ثروة أجداده سوى حروف اسم بلاده، وبعض أحلامٍ مؤجلة.. فماذا الآن؟ بعد أن أصبحت الحياة لمن استطاع إليها سبيلا، فأي سبيل يختار للحياة؟ وأي سبيل يختار للوطن؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.