شعار قسم مدونات

أدباء في عتمة السجون

blogs - prison
لقد شكلت قسوة الاعتقال بما كان فيها من كبت نفسي وتعذيب جسدي، تربة خصبة لتفجر الطاقات الإبداعية، كردّ فعل طبيعي ومنطقي على ممارسات القمع.. تجربة لها أثر كبير على المعتقلين في زنازين الاحتلال الإسرائيلي، فهم لا يبصرون النور منعزلين عن العالم الخارجي وأحداثه وهمومه، فلا سبيل لهم سوى الكلمة والقلم ليوثقوا بصورة إبداعية مكنونة مشاعرهم وأحاسيسهم جراء ما يتعرضون له من تعذيب وضغط نفسي.

فمعركة الصراع التي يخوضها الأسير الفلسطيني داخل زنازين السجان الذي يمارس أبشع أنواع التعذيب والحرمان بحقهم، من عزل انفرادي ومنع ذويهم من الزيارة والإهمال الطبي وتعذيب جسدي ونفسي، من أجل أن ينال من صمودهم إلا أنهم يسطرون أروع معاني النضال والتضحية في عتمة وظلام الأقبية.

خلف القضبان الحديدية أدباء وشعراء وثقوا معاناتهم معبرين عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير الفلسطيني في ظلمة السجن، متتوقين لنيل الحرية وخيوط الشمس، فعلى الرغم من قمع الاحتلال إلى أن الأسرى أبدعوا في خلق نشاطاتهم الجماعية والفردية ليضيفوا الحيوية داخل السجون المظلمة.

فقد استطاعوا أن يبنوا أدبا يحمل بصمات الأسير بين صفحاته من داخل الزنازين فلا يمكن لمن لم يجرب عتمة السجن أن يعبر أو يتقمص شخصية الأسير، الذي يحمل بداخله هذا الكم الهائل من المعاناة، فهو وحده القادر على الكتابة وإيصال الصورة الحقيقية دون تقمص.

يمثل الأدب الذي كتبه المعتقلون الفلسطينيون في المعتقلات الإسرائيلية صورة حية وواقعية للمعاناة التي مروا بها وعايشوها، فعشرات من مؤلفات "أدب السجون" أبصرت النور من النافذة الضيقة لزنازين الاحتلال.

يقول الأسير المحرر سلمان جاد الله البالغ من العمر 74 عاما، وهو أحد هؤلاء الأدباء المنسيين عن اللسان والحاضرين في ذاكرة المهتمين، والذي عمل في صحيفة الميثاق الفلسطينية وعمل في صحيفة الطليعة قبل أن يتم اعتقاله عام 1984، "أسست في سجن نفحة "صدى نفحة" التي كانت عبارة عن قصص وروايات معاناة الأسرى داخل السجن، وكنت عضواً في "هيئة تحرير عسقلان" ومجلة "تحرير نفحة".

هذا الإصرار الذي يحمله الحاج جاد الله في ممارسة عمله وهوايته داخل السجن، ليكمل مسيرته الأدبية ويستثمر خيرته الكتابية في توثيق تجربته إنما عبر عن حالة إنسانية ذات أبعاد فكرية ونضالية صقلتها المعاناة، لتخرج وترى النور حاملة في طياتها لحظة اختناق أو تصوير للحظات بطولة فحسب.

يقول الأديب بصوت خافت: الأسير لا يحتاج سوى دعم معنوي بشكل دائم، لذلك ألّفت كتاب "التمرد والثورة" الذي تناول معاناة الأسرى داخل السجن وكان الغرض من ذلك دفعة معنوية لزملائه الذين كانوا يتجمعون حلقات من أجل الاستماع لكتاباتي، وكنت أرى أثرها واضحا على وجوههم وفي عيونهم ربما لأنها كانت تلامس مشاعرهم وأحاسيسهم وتعبر عما بداخلهم.

ويمثل الأدب الذي كتبه المعتقلون الفلسطينيون في المعتقلات الإسرائيلية صورة حية وواقعية للمعاناة التي مروا بها وعايشوها، فعشرات من مؤلفات "أدب السجون" أبصرت النور من النافذة الضيقة لزنازين الاحتلال، فرغم عمق فحواها وجمالية تركيبها وسردها إلا أن بعضهم وهذا إن لم يكن أغلبهم ما زالوا مغمورين في ذلك الابتعاد الصارخ من القُراء في الأراضي الفلسطينية، عن أدب السجون والانشغال بملفات أخرى كالذي يُحدثه الانقسام مثلا.

واليوم يسجل الأسرى داخل السجون في يوم الأسير الفلسطيني، الذي يحييه الفلسطينيون في السابع عشر من نيسان لكل عام، إضرابا جماعيا في كافة السجون فهم يرسمون الطريق نحو الحرية بأمعائهم الخاوية، معلنين حربا بأجسادهم التي لطالما ذاقت الويلات في عتمة السجن وجبروته ليكون هذا اليوم يوما مختلفا ونوعيا، معلنين النفير العام مضربين عن الطعام من أجل الحصول على حقوقهم وانتزاعها من فك الأسد داخل عتمة ووحشية السجن الإسرائيلي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.