شعار قسم مدونات

عن النهايات

blogs-النهايات
لم نكن نعي في صغرنا معنى النهاية والبداية، كانت الأمور تسير بسلاسة وبتدبير عظيم. لم نكن نعي قلق الكبار حولنا حول نهاياتنا وبداياتنا، أو ربما وعينا بعضها عندما تسائلنا لماذا حُرمنا من ذاك وذا؟
من بيئة لأخرى ومن مرحلة لما بعدها جرت الأيام، وأصبحنا أصحاب قرارات مصيرية، بدأنا الحياة كما أنا ولدنا لتوّنا سوى من بضع ذكريات تعود بين الحين والآخر في أوقات غير مناسبة أحياناً.

بدأت منذ فترة قصيرة أو طويلة مشواراً جديداً يحتاج جهداً ما قل أو كثر، البداية كانت شائكة، إذ ما الهدف وما المقومات؟ لكنك مضيت، ومع الأيام قد تتكتشف أخطاء البداية فتتراجع أو يتاضعف الشغف فتمضي، تنسى للحظات آلام البداية وصعوبات اللحظة لأنك وجدت الطريق فلا تعود تسأل بالبداية وإنما تحاول إبصار النهاية كما تريد أنت، فتعيش على وقع ذلك حياة الإنجاز.

اخرج من دائرة المقارنة المحبطة وقارن نفسك اليوم بنفسك الأمس واحكم بميزان الصلاح، افرح لغيرك عند وصوله نهاية سعيدة، وقف معه عند البداية حيث الحيرة والتخبط، راجع نيتك عند كل نهاية وجددها عند كل بداية وقومها دائماً

تقترب لحظة الوصول فتسمو روح العمل لديك، تُرهق جسدياً أو عقلياً لكنك تسمو، بعد قليل سأنجز أمراً، سأفتح باباً، ثم سأفعل كل ما بوسعي فعله من الأشياء التي أحبها وحرمت نفسي منها خلال الفترة الماضية، ثم تأتي لحظة الوصول، فالنهاية!

شعور النهاية شعور غريب، تختلط فيه كل الأفكار، ويكثر فيه تساؤل "ثم ماذا؟" قد تتلاشى عندها كل ذكريات التعب والاجتهاد فتظن أنك لم تفعل شيئاً! تشعر بالفراغ، بأنك تفتقد شيئاً، بأنك بدأت تضل من جديد، تعود إلى تعريف نفسك واسترجاع بصيرتك.
ما أصل ذلك؟ وهل هو ذات الشعور عند كل نهاية؟ عند كل البشر؟ أستطيع التخمين أنه شعور مشترك ويأتي في غالب النهايات، لكن الفارق مدته وكيفية الخروج منه، فما الذي يعين على تجاوزه؟
إنه ذات العون الذي أمدنا يوم كنا صغاراً، ذاته يوم البدء وأيام الجد، عون الخالق الرحيم، الذي لا تأخذه سنة ولا يأخذه نوم عن تدبير أمور عباده. فأنت على هذه الأرض لتبدأ وتنتهي ثم تبدأ لتنتهي، ثم ننتهي أخيراً من أجل اليوم الموعود، وما يعين على تحمل النهايات هو النية في البدايات والهدف بعد النهاية الأخيرة التي نغفل عنها كثيراً.
عندما يكون الإيمان هو الحَكم، ستتقبل النهايات برحابة صدرٍ، وتبدأ التفكير ببداية جديدة مكملة لمشوارك الذي بدأت دون انحرافات قد تكلفك الكثير. فالإيمان هو سر القوة عند البدء وسر الرضا حال الانتهاء.
أتساءل كيف سنعيش دون الإيمان؟ كيف سنقوى على تحمل النتائج إن لم تَسر؟ لماذا يغتر البعض بقدرته؟ وما قدرتك إلا شيئاً من عون الله؟ أتساءل كيف تنحرف الفطرة، وكيف نسمح بانحرافها؟ ولماذا نعاندها، تلك التي فطر الله الإنسان عليها، ولم يخص المسلم عن غيره؟ فطرة الخير والإحسان والاطمئنان إلى أمر الله وقضائه؟ فطرة السعي من أجل من حولك.

الفطرة التي تضمن السعادة، السعادة التي حُرِّف تعريفها فأصبح الإنسان عبداً لمقوماتها الزائفة، والنتيجة اكتئابات متعاقبة وقلق غير منقطعٍ! 
أتساءل كيف يعيش البشر دون تصور للعالم الآخر اللامتناهي؟

دون إدراك لوجود خالق أو عدالة حكمه؟ أولئك، ما الذي يعينهم عند البداية وما الذي يرضيهم عند الانتهاء؟ وأنت، بلا شك أنك الآن بصدد بداية، على طريق، أو على وشك نهاية، فما عونك؟ أعد توجيه البوصلة، وقف عند النهايات معتبراً من أجل بداية أفضل.
اخرج من دائرة المقارنة المحبطة وقارن نفسك اليوم بنفسك الأمس واحكم بميزان الصلاح، افرح لغيرك عند وصوله نهاية سعيدة وقف معه عند البداية حيث الحيرة والتخبط، راجع نيتك عند كل نهاية وجددها عند كل بداية وقومها دائماً، لست وحدك من يدخل في دائرة التساؤلات حول الهدف الأعظم، فاجعل منها مفتاحاً يصلك بالخالق العظيم، الذي إن حفظته حفظك ووجدته دوماً تجاهك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.