شعار قسم مدونات

إلى حبيب ومُحب (٢)

blogs - love
إن الذين مضوا عنْكِ أيتها الروح وتركوكِ للنّار والاحتراق أهدوْكِ ذاتكِ التي تلقاكِ بالبرد والإشراق، أيّتها الروح تلك التقاسيم على وجنتيْك وأدمعِ المسافات التائهة أراها النّور وأراها العافية، وإنما تغيب العين عن مشهدها، ليقوم صرح الرُّوح مقامَ الغيبِ الذي يُدهشنا ويُرفق معه سعاداتٍ ومشهديّات، ولتصبحي أيّتها الروح عين الشّهود على الرَّحمة واليقين والمحبة والاطمئنان. 

أيها الحبيب ومهما امتدت المحبّة في قلبك، ترفّق، فلا شيء يعدِلُ الاتزان، ذكرٌ طَيّب على ناحية، ووِصال خفيف المقام عميق الأثر على ناحية أخرى، وأما حكايا الهُيام وأسارير الغرام فليس أشدُّ منها نكاية وفتْكاً بوجْد الانسان، ولطالما كانت الروح على سكينة وداخلها، حتى تحين العواصف، ويأكل من قلبك الجراد، فلا يعود في أرضك من غرس أو حَرْث، أو حتّى ثمِرٍ مؤجل.

أيها الحبيب وعلى قَدْر اللهيب واللظى المتلوّعان بهما روحك، على قَدْر القوة والارتكاز اللذين تستند عليْهما كُلّك، ولا أجدُ في هذه اللحظة كهذا المثل القائل أو المبتكر: عِشْ خفيفا بينهم، وسلّم عَلَيْهِمْ قبل سلامهم، وأرخِ سمعك قبل كلامهم، وأغلق فمك قبل عزوفِ سمعهم، واجعل مِنْك ذاكرة طيّبة، وذكرى قلبيّة يشتاقونك منها مجددا، ويسعوْن في وصالك بعدها، بلا رحيلٍ أبدا.

أيها المُحِب وستجري أنهارٌ دافئات، عذباتٍ ونقيّات، يلذعك ملحها برقة، وينزل دمعك معها برفق، وسيكتمل وجعك عافية، ويسكنُ جُرحك بالنور، فلا تقفُ بعد هذا إلا سديد الخطْوة، قاصد الرّؤية، وأن يحمل الصمت عنك مثاقل الكلام، وأن يُشغلك بالسكون عن الكلام، حتّى إذا ما وقفتَ آخر الطّريق، وقفتَ أمام نفسك مرآةً لنفسك، فما أعزَّها، وما أجَلَّ آهتها، وعلى درب ضحكتها تعود، وعلى سبيل بهجتها تقوم، فكم هي الرُّوح عزيزة، ولا أحد يُدْرك عَنْك ويُدركك إلاك.

"ثق واعتمد على الضوء اللامع في قلبك، فلن تفتح لك مغاليق هذه الأسرار المعقدة بالأقاصيص الفارغة، فما النهر الذي يجري في السهول والجبال والهضاب ينفعك، بقدر الماء الذي يسيل عندك في البيت."

و كنْتُ أحسبُ أن دار المحبوبين هيَ الدار الأوسع والأرفه، ولكنّي وجدتُ فيها من الآلام ما أشقى روحي، ووخزَ جسدي، حتى ما دريت عن دواءٍ إلا همُ، فكيف بالله نطيق الحياة وفي قلبها قلوبٌ محمّلةٌ بالأسى والأحزان؟ تغرق إلى داخلها مراكمة لوعات الوجع، ولو أنّهم تبيّنوا وتحدّثوا لما أصابوا الرُّوح بجهالة، ولما عزّت فعلتهم وأصبحوا من النّادمين! وماضر المُحبّين لو أنّهم عاشوا وتناولوا القُرب بخِفّة وجمال، على أن ينتظر كل طرفٍ من الآخر من يبدأ خطوته ليُبقي العلاقة على قيد الحياة، ولا أجدُ من البساطة في الخطاب، والوضوح في معالم الطّريق، واتساع دار الظن الجميل أصوبَ من يسيُّر الطِّباع ويحلّيها.

أيها الحبيب ولو أننا مجدداً نظرنا إلى الدّاخل أوّلا، وعلمنا بما يمتلئ به دواخلنا، ثم لاحظنا الذي يَجِبُ علينا تجاه الآخر، وأدركنا بالسّنين الطّيبة، أن الكلمة الصادقة وإن فتحت جُرْحا فهي أقربُ إلى العافية منها إلى الأذى، فلطالما قيل أن الجراح أعشاشُ وَرْد، وأما عكْسُ ذلك فالمحبون ظالمون ومتطرّفون في ردّات فِعالهم، ومنهم من يشتهي ويتلذّذ بجوْرِ الحبيب وقسوته، ومنهم من يرحلُ إلى الصباح ومهجته بعيدا عن الجوى وجور الهوى، ومجدداً ستلتقي بنفسك عِنْد المحبّة غير عادِل، ولا أجدُ غيرها يعْدلُ ما بالروح والجسد. وتبقى المسافات في اتّساع بين المُحبّين، حتى لا تعود للمسافة أي معنى، ويبقى الحِسابُ والعدْ سلوانةً وأسطوانة تثير الحِس لهيبا، لا لتُطْفئه رمادا وسكنة.

أيها المحب وفي زحمة الأحاسيس وحيرة الوجد، قال مولانا الرُّومِي جلال الدين مرةً: "ثق واعتمد على الضوء اللامع في قلبك، فلن تفتح لك مغاليق هذه الأسرار المعقدة بالأقاصيص الفارغة، فما النهر الذي يجري في السهول والجبال والهضاب ينفعك، بقدر الماء الذي يسيل عندك في البيت." وهي التي أوصيك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.