شعار قسم مدونات

أدب السجون.. حرية قلم

blogs - prison

عندما يكون الأدب أحد أشكال التعبير الإنساني الراقية عن مجمل عواطف الإنسان وأفكاره ووصف الحالة الشعورية الوجدانية ونثرها كحبات الرمل على أديم الشاطئ على أشكال من الحروف والسطور بإبداع يراعة نازفة. أما في السجن بين العتمة القاتمة والجدران الخانقة وسجان يطارد ظلك، يرتقي الأدب عن كل أشكال التعبير السابقة ليصبح وسيلة نضال وكفاح ومقاومة، بل يتعدى ذلك ليكون ميلادا جديدا للحياة في بيئة انتزع منها السجان كل مقومات الحياة.

 

فتح الاحتلال الصهيوني سجونه لأبناء الشعب الفلسطيني بعد احتلاله فلسطين ليقتل الكينونة الفلسطينية واخماد آوار لهيبها وخنق كل صوت ينادي بزوال ليله، فكانت تلك المرحلة من أصعب المراحل حيث احتجز الأسرى في ظروف اعتقالية غاية في السوء، منع عنهم معظم مقومات الحياة، وكذلك الأقلام والأوراق والكتب ممنوعة، وسجَّانٌ يطارد بيت القصيد سواءً كُتبَ على ورقة السجائر أو نُقِشَ على جدران الزنزانة، وبين مطاردة السجَّان وصمود الأسرى انتصرت الإرادة بعد إضرابات عديدة عن الطعام وعشرات الشهداء الذين رسموا بدمائهم الزكية ملحمة أسطورية صامتة أصحابها أناسٌ حقيقيون انتصر جوعهم ودمهم على حد سيف الظلم والطغيان.

 

تطور أدب السجون ليصبح نموذجا حيا صُبَّ عليه من معين التضحية والثبات ليرتقي عن حالة وصف شعور الكاتب الى حالة أعمق ليعيش مع المجتمع همومه يبتكر الحلول والأفكار.

وازدهرت صناعة الحرف وإبداع الكلمة وامتزجت بالصمود والألم وأضحت صورة بديعة نابضة بالحياة تُصَوِّرُ فصلاً من فصول نضال الشعب الفلسطيني لتؤرخ وتوثق كل تلك التضحيات. وقد يسأل البعض ماذا يعني أدب السجون؟ وماذا تعني الكتابة للأسير في عتمة الابتلاء والمحنة؟ يجيب عن هذه الاستفسارات الأسير الكاتب "عمَّار الزبن" والمحكوم بالمؤبد بقوله: "ماذا يعني أن تكتب أدبا أو قصصا أو سمِّهِ ما شئت ولا زال الأسر مستمرا؟.. سؤالٌ لطالما اقتحم مقدمة صفحاتي البيضاء، فكل ما قرأ المرء من حكايات جميلة يحمل بعضها رائحة السجون، تكون في غالبها فعلا ماضيا من حيث الزمان والمكان خطها أصحابها بعد أن تطهرت أجسادهم قبل أقلامهم من جدران الزنازين. وراحوا يستعيدونها من وحي الذاكرة، لا أعيب ذلك مطلقا وإن كنت أراها قد فقدت شيئا من ثوريتها أو عذريتها، أو لعلي أنقم وأنا لا أدري على صناعة تُحكى في الهواء دون أن تدوس البساطير على رأس كاتبها، فللكلمات نشوة يشعرها الهارب بها عندما تلاحقها أصابع السجان وهي تعبث بين الأوراق تبحث عن أحرف الثورة، ولا خير في صانع كلمات لا ينتحب عليها وهو يشهد اغتصابها في حملات التفتيش".

 

فالكتابة في الأسر حياة جديدة ولدت من رحم ظلام القهر والحرمان فلكل حرف حكاية صيغت بمعين الصبر والثبات، فتلك الحالة الوجدانية العميقة استحدثها الأسير واستدعى بكل قواه أطيافها لتكون وسيله مواجهة جديدة ومن نوع آخر مع السجان، بالإضافة لكونها أداة توثيقية هامة لمرحلة من نضال الشعب الفلسطيني.

 

وتطور أدب السجون ليصبح نموذجا حيا صُبَّ عليه من معين التضحية والثبات ليرتقي عن حالة وصف شعور الكاتب الى حالة أعمق ليعيش مع المجتمع همومه يبتكر الحلول والأفكار حيث تتسلل لوذا كما يتسلل خيط الشمس من ثقوب الحياة، ويثري المكتبة بتنوع موضوعاته، فها هو الأسير الكاتب جمال الهور يختال في مساحة لامتناهية من كتبه فمن جمرات العنب واعواد البرتقال ليجاري الكاتب الكبير الرافعي بتحفته الأدبية اليانعة "كوني أنتِ" فيسرد نصائحه في سماء حواء ليلج أدب السجون فنا جديدا بصورته الأدبية والجمالية فيجمع الحب والصمود في صورة ربيعية قل مثيلها، ويلخصها بقوله: "يولد الحب من رحم فطرة، ويتجدد على أنفاس قبله، ويعيش طويلا أبديا على صدق كلمة تتفيأ ظلال القناعة".

 

وإن أردت أن تذكر المؤلفات أو المؤلفين فالقائمة تطول بدوحٍ صادحٍ غنًاء، سطورٌ وحروفٌ قد اقتات كلٌّ منها من قلب إنسان رعاها ودافع عنها وبعثها خارج الأسوار كما يميل قرص القمر خلف التلال، وأنت تودع تلك الصفحات الناصعة اليانعة تتمنى أن يراها العالم أجمع بلغاته الحية ليعي نبض حروف الثورة، وتكون لبنة في صرح التراث الأدبي الإنساني العالمي، حتى تسري الحرية في الأجساد كما يسري النور في الأكوان، ويستمر الحلم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.