شعار قسم مدونات

الصومال "ألا ليت الشباب يعود يوما"

blogs شباب الصومال

"أريدُ العودة، لكني لا أريدُ الموت". جملةٌ شهيرة أصبحت متداولةً بين الشباب الصومالي حتى باتت تدُق مسامعنا في أي حديث أو أي نقاش يدور حول العودة إلى الوطن، بين جيل أصبحت فكرة العودة لديه تشبه إلى حد كبير فكرة الموت. 

الصومال، البلد الذي يمثل شبابه البالغين من عمر 14 إلى 30 عاماً نسبة سبعون من مائة من السكان وهو بذلك يعتبر أحد أعلى المعدلات الشبابية في العالم. حيث أظهرت تقارير الأمم المتحدة أن ثلثي هذا المعدل يودون السفر ومغادرة البلاد، أما الباقي فانقسموا بن منازع للعيش تحت ظل ظروف قاسية وحامل للسلاح. اليوم، وسط دوامات الحزن التي تدور في الوطن العربي دار في رأسي سؤال هو محور أحاديث جيلنا اليائس، جيلنا الذي فُطِمَ على أن الوطن هو الموت، وأن المنفى هو رفيق الدرب الذي ينسيك أحزانك، ويحقق أحلامك، بجوازِ سفرٍ ومنزل وعمل يغنيك عن الحاجة وذل السؤال. أقف وأسأل نفسي "هل حقاً أريد العودة؟" وهل سأضحي بنفسي قربان أرض لا أعرفها ولا تعرفني؟ ولنقل أني فعلت فهل سيفعل غيري من أبناء جيلي أيضاً؟ 

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الصومال يتكرر السؤال ذاته في ذهن كل شاب صومالي مغترب، ومع كل انتخاباتٍ جديدةٍ نغيب بوعينا ونحن نبني الآمال والطموحات ثم توقظنا صفعة الخذلان الحارة فنستيقظ من ذاك الحُلُمِ الجميل بواقع مرير يلزمنا على أن نمضي في حياتنا بعد أن ندفن تلك الآمال والطموحات. إن الشاب الصومالي المغترب اليوم في أي بلد كان بات كالضيف الثقيل الذي يتعمد الإثقال على مضيفيه. وما أقساه من شعور حين تعلم مدى عدم الرغبة بك في بلد كبرت وترعرعت بها حتى باتت تشبهك وتشبهها، وآخر حملت اسمه طوال عمرك فبات جزءً من هويتك. فلا أنت هنا ولا أنت هناك. 

في الأمس كنا نحارب القبلية ونحاول مسح آثارها الأزلية عن الطريق لنبدأ من جديد، أما الآن أصبح لدينا بدل الطريق الواحد اثنين، الآخر أشعل بنيران القبلية من جديد لتلتهم وتحرق جميع سبل التغيير والسلام

لقد كانت أحاديث الأمن والاستقرار الحلم الكبير الذي عاش عليه جيل كامل من الشباب الصومالي، إذ حاولنا في السنوات الأخيرة أن نقنع أنفسنا وأبناءنا بأن الحرب انتهت، وأن السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد الذي اخترنا تحقيقه، ولكن ما أن ينظر المرء إلى حقيقة المشهد الصومالي الحالي إلا أن يكتشف أن لا شيء مما سبق ذكره أعلاه قد تحقق أو حتى على قيد التحقيق، وأن حال البلاد لا يبشر بالخير إذ تقسمت وتشرذمت إلى قطع صغيرة باسم الفدرالية التي لم يستفت به الشعب، ولم تدرك السلطات مفهومه وماهيته ونمطه. 

ونتساءل أين السلام في تقسيمنا أكثر مما كنا عليه؟ 

في الأمس كنا نحارب القبلية ونحاول مسح آثارها الأزلية عن الطريق لنبدأ من جديد، أما الآن أصبح لدينا بدل الطريق الواحد اثنين، الآخر أشعل بنيران القبلية من جديد لتلتهم وتحرق جميع سبل التغيير والسلام، إذ مع بداية كل يوم نشهد ولادة ولاية جديدة، وتزايد في عدد الرؤساء والمجالس الشعبية، وعدد هائل من النواب وآلاف من موظفي الأجهزة الإدارية، حتى بات الشعب بأكمله " بيشتغل بالدولة".

وفي ظل هذا الوضع الراهن نعلم جميعاً بأن الصومال اليوم في أمس الحاجة إلى عودة شبابها ومثقفيها ولكن، كيف للمرء أن يرمي بنفسه بين أسوار وطن يقتل أبناءه؟ لن ننسى فؤاد أمين الشاب الصومالي الطموح، المتحدث بخمس لغات، عاد إلى الوطن محملا بحلم التطوير والتنمية فاغتيل بتفجير في فندق مقديشو عن عمر يناهز 29 عاماً، في شهر رمضان الفضيل من العام السابق. والعديدين من أمثاله ممن ضاق عليهم الوطن فتحول إلى سجن فسيح. لذلك بات أمر العودة مستبعداً لفئة الشباب بل أصبح شبه مستحيل، خوفا على النفس من الهلاك والموت برصاصة طائشة أو سيارة مفخخة.

يولد الفرد الصومالي في الغربة، ويكبر بجوار والديه الذين يضعون كل ما بحوزتهم ليستثمروا به، فيبعثانه إلى أفضل المدارس، ويخرجانه من أفضل الجامعات راجين بذلك العودة إلى أرض الوطن. يعود الابن لأرضه محملاً بجرعات حب زائدة، وحكايا الوالدين، يخيل إليه أنه سيحتفى به بالورود وقُبل الأجداد، فيكون ثمنه رصاصة واحدة تخترق صدره، فيموت هو ويموت معه ألف حلم للعودة. 

لذا، باسم هؤلاء الشباب الفاقد للأمل، المقبل على الحياة، والممتلئ بكل أسباب العودة. نحن لا نحتاج إلى ولايات صغيرة بأسماء غربية تضيع اسم وطن كبير. ولا نحتاج إلى عروض جيوش تتباهى بها ولاياتنا بالدفاع عن نفسها حين يعرض علينا مشاهداً دامية كل يوم، ولا نحتاج إلى رسائل موجهة من سلطاتكم الموقرة تحثنا على العودة. نحن نريد العودة! ولكن نحتاج أرضاً آمنة، ووطناً يضمنا دون أن يحمل في صدره قنابل ومتفجرات. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.