شعار قسم مدونات

النفاق الاجتماعي يصنع أمًّا إلكترونية

مدونات، الأم

بعيدًا عن الخلاف والإختلاف في حكم الاحتفال بعيد الأم أو يوم الأم، فهي مناسبة كغيرها، تمضي على ناس دون آخرين، يتقبلها بعضهم وبعضٌ آخر ينبذها، وبعضهم يعتصر ألما على أمه التي فقدت، فلا تكون تلك الذكرى المشؤومة سوى صفعة يوجهها بعض أبناء الأم الإلكترونية، لهذا المسكين!

وهذه الحكاية.. 
في عيد الأم الرابع على التوالي منذ تاريخ إنشاء حسابي على "الفيس بوك"، أُأثر بأن أهنئ أمي على مواقع التواصل الاجتماعي، مع أنه لا يوجد لديها حساب عليه، هرعت مسرعًا أكتب على الفيس بوك، مقولة أحفظ فيها حقي من الإعجاب، والتعليق، والمشاركات.. فكتبت "أمي جنتي وملاكي، أمي سكني وملاذي.." وأزيد وأُملي ما لا تعلمه أمي!! وأناظر في كل دقيقة، كم إعجابًا حزت وقلب، وفي الجهة المقابلة من الواقع، أمي تجلس في مقربتي وتحدثني لا أسمعها، مهموك في منشوراتي عن عيد الأم، لا تعلم أمي أني قد هنأتها على طريقتي الإلكترونية..

وكأننا لسنا نحن، وكأننا نعيش انفصام مابين مواقع التواصل والواقع، نعيش بكل لطف في ذلك العالم المزيف، أما في الحقيقة فنحن لا نرى أوراقنا المتناثرة في حجرتنا

هذا ما لاحظته في صولاتي التفقدية مسترقًا النظر في جميع الحسابات التي مرت علي يهنئ فيها أصحابها أمهاتهم على تلك المواقع، فلم أر إعجاب الأم به، ولم أر ردَّها على ما كتب ولدها المشاكس، ربما كانت عادة نعيشها، أو بالأحرى تعيشنا.. لكن لماذا؟ ما السبب؟ لماذا نجعل تلك المواقع الإلكترونية هي المدينة الفاضلة ونعيش الفوضى دائمًا في واقعنا ترانا نتكلم عن عيد الأم، ونثني على أمهاتنا ونغني لهم طربًا وفرحًا بعيدهم، ونتصور آلاف الصور بجانب الهدية المزيفة التي جئنا لهم بها فقط لنرضي عين الآخر عنا.

ما السبب الذي يجعلنا محاطين بالهالة الملائكية على تلك المواقع، فنصنع لأنفسنا أمًا إلكترونية، نهنئها ونعلم أن أمنا الحقيقية لن ترى تلك التهنئة، واستبدلنا مشاعرنا بمشاعر إلكترونية زائفة، محصورة بإعجاب وقلب.. تنتظم الصور على صفحاتنا، ينتظم الكلام، نتكلم بالروح الملائكية، نترفع عن أنفسنا وأرواحنا البشرية، وكأننا لسنا نحن، وكأننا نعيش انفصام مابين مواقع التواصل والواقع، نعيش بكل لطف في ذلك العالم المزيف، أما في الحقيقة فنحن لا نرى أوراقنا المتناثرة في حجرتنا، ولا كأس الشاي المسكوبة على المنضدة حين يمر عليها سرب النمل كجحافل أمريكية وجدت حقل نفط جديد في بنغازي .

ولا نسترق النظرة أبدًا نحو الأشلاء المشلوعة من الملابس في الخزانة التي سقطت أبوابها في آخر حروبنا معها، ومع ذلك كله لا نبالي في نفاقنا. مرائين في تصرفاتنا، نرى العيب في غيرنا ولا نراه في أنفسنا حتى إنا قد تجاوزنا في نبذ الخطوب حدودنا، فلا زال الواحد منا يجلس طارحًا قدمًا على قدمٍ ينتظر نسمة الهواء أن تمر باعوجاج من أمامه حتى يقذحها بسيف قلمه، حتى إن كوب القهوة لم يسلم من أقلامنا، ولم يسلم كهل في السبعين مر من أمامنا إذاما رأيناه يتكىء على عكازه بشكل مائل، لا نرى في أنفسنا ما نراه في غيرنا، فإن أقلامنا المنزهة ترى الجميع مخطئًا ونحن الملائكة.

كلنا مخطئون، جميعنا دون تعميم وبتعميم، لم يعد هناك فرق -فإن الجزء المتبقي مجنون أو قد انتهى أجله- يعترينا شيءٌ من النفاق، نكاد نخفيه لكنه يبين كلما أخفيناه، حتى أنا عندما كتبت مقالتي هذه، انتظرت إعجابكم بها، فليس بالأمر العجيب أن يصاب بالمرض الطبيب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.