شعار قسم مدونات

مغتربون.. ولكن!

blogs - travel
قال لي (أريد أن أسافر إلى أمريكا إلى بلد يعرف قدري قلت له: لماذا تريد أن تسافر لبلد يعرف قدرك؟ لماذا تريد هذه الفضيحة؟ في بلد طيب متسامح مثل مصر يمكن للحمار ان يظل مستوراً وأن يأمل في وجبة عشاء ولكن هناك سيفتضح أمرك خلال ربع ساعة، نصيحتي هي ابق هنا) قرأت مرة في أحدى الكتب تلك العبارة وعلى الرغم من بساطتها إلا أنها تروي لنا تماماً ما هي حكاية الهجرة..

جميعنا كنا نظن أنفسنا ضحية في أوطاننا، نستيقظ لنأكل ونشرب، نذهب إلى جامعاتنا مدراسنا أعمالنا مقنعين أنفسنا أن كل ما عشنا حياة أقل من الطبيعية وأكثر روتينية، كل ما ضمنا حياة أكثر هدوءاً واكثر أماناً! وما إن نصل إلى تلك البلاد التي تعرف قدرنا حتى ننصدم بواقع اكثر تعباً، معتقدين بأننا سنتحرر من كل تلك القيود، لتبدأ مراحل الإبداع وتحقيق الأحلام! نجد أننا بحاجة إلى عمر آخر فوق عمرنا، حتى نصل إلى بداية طريق تحقيق الحلم، من صعوبة اللغة و الالتزام بالمواعيد، ستجد أنك أمام حياةٍ أكثر التزاماً وانضباطاً بعد عمرٍ كاملٍ من الاستهتار، الغربة تعلمك تماماً معنى أن تجلس وحيداً وما معنى أن تكون ضعيفاً، واعترافك بضعفك هو الخطوة الاولى لتعويض خسائرك.

لا بد للإنسان أن يتخذ قرارا مصيريا يخدم سر وجوده، وغاية وجوده و سلامة دينه، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه.. ومن هنا تأتي فكرة تقبلنا للغربة

اعلم أن كلا منا سافر بحقيبة سفر بها سنين عمره و ذكرياته ومشاعره وما إن وصل إلى تلك البلاد حتى وجد نفسه أكثر تولعاً بوطنه الأم، فيعيش أيامه عينٌ هُنا وعينٌ هناك، عينٌ تنظر إلى المستقبل وعينٌ تأمل العودة! يرفض التأقلم مع وضعه الجديد، متخذاً من الإنترنت و وسائط التواصل الاجتماعي جرعات من المخدر، وهو يتواصل مع أصدقائه وجيرانه، رافضاً تماماً فكرة تصالحه مع نفسه متجاهلاً أن أشد سجون الحياة قسوةً، فكرة بائسة يسجن المرء بها نفسه.


ليس قدرا نهائيا أن تبقى كذلك! فإما عليك بالعودة أو التعايش مع الثقافة الجديدة، ولكن دعني أقول لك يا صديقي المهاجر سواءً كانت هجرتك إرادية أم حتى قسرية، إن مجرد خروجك من وطنك الأم فأنت أصبحت غريباً وحتى حين تعود إليه وأنت ذاتك وأغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه، لا تنسى سبب هجرتك، لا تنسى بأن لديك فكرة تؤمن بها.. فناضل من أجل ما تؤمن به، يجب عليك العودة إلى وطنك وأنت إنسان جديد.. قادر على البناء والإنتاج وليس على الاستهلاك فقط.
 

"وما الذي يجعلني إنساناً ؟ إن العمل في أفضل تجلياته يجعلنا بشراً" كارل ماركس وكل إنسان لديه فرصة للتطور والتأقلم، يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)


فلا بد للإنسان أن يتخذ قرارا مصيريا يخدم سر وجوده، وغاية وجوده وسلامة دينه، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه.. ومن هنا تأتي فكرة تقبلنا للغربة، يجب على الإنسان التأقلم بالمجتمع الجديد حضارياً واجتماعياً، دون أن يلغي انتماءه الأول، أي يجب عليه الاندماج وليس الانصهار فالاندماج هو ضرورة لكل المراحل الحياتية للإنسان، فنحن بحاجة إلى الاندماج والانتماء معاً لكي يصل الإنسان إلى معرفة واكتشاف ذاته وإنسانيته دون أن يفقد الهوية أو الدين.


(ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها) نفسٌ تكلفت وتعبت و بذلت أقصى طاقتها لكي تتغير لن يكلفها الله بأكثر من ذلك لأنه هو مَنْ سيتكفل بالباقي.. 
وبعد خسارة الوطن لا يوجد شيء ستخسره يا صديقي المهاجر سوى قيدك..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.