شعار قسم مدونات

نثر المعرفة كضرورة للتغيير

مدونات معرفة

"لقد حان وقت تغيير هذه العقليات البائدة"، جملة تخترق أذني يوميا في راهننا البائس؛ بل منذ  وعيت، وتتمحور الكثير من البرامج "التنموية" حول ضرورة تغيير العقليات المتخلفة، وتتأسس يوميا منظمات مجتمع مدني تدعى أنها خلقت لذلك وتدعى النضال الشرس ضد "الفكر المتخلف"، وقد تجد تمويلات سخية لهذا الغرض، وتختلف العقليات المراد تغييرها والقيم التي يهدف لبثها بين المواطنين؛ لكن شيء لا يتغير والمنظمات لا تفعل غير أنشطة سنوية يتم تصويرها وتبث صورها؛ كإثبات على النشاط لا أكثر،  وتكون غالبا، كرنفاليه أو شللية أو حتى عائلية ولا تلامس جمهورا حقيقيا.

 

ويظهر أيضا نشطاء ومثقفين، يصرخون بضرورة تغيير "العقليات البائدة"؛ لكنهم يصرخون فقط أو ينفثون بعض الغضب الذي يجتاح ذواتهم، وينزعون للاستفزاز بدل تقديم النقد الرصين للواقع أو للعقليات المراد تغييرها أو تقديم الفكر الذي يسعون لبثه بشكل واضح ومتماسك وجاذب للاهتمام لا النفور، ويفضلون مخاطبة الشعب بشكل تحقيري ومتعجرف، ولا تجد لهم كبير الأثر في عملية نشر المعرفة أو مشاركتها مع الجمهور الذي يخاطبون، فلا تلاحظ في كلامهم نصح بكتاب أو بحث أو حتى مقال محكم.

 

يحدث أن تجد مكتبة ناشئة وصغيرة لكنها تحوي نفائس الكتب التي تخاطب النفس والعقل وتحث على التعددية الفكرية، وترنو لنشر المعرفة بين الجمهور، تساهم في هدوء وبشكل ملحوظ ولو بسيط في تغيير قناعات البعض وتوسيع مداركهم

حديثهم مكرر ومجتر وخال من أي قيمة معرفية، وهذا وللأسف هو الواقع المسيطر على المجال العام في بلدنا، وتلك النماذج  هي الأعلى صوتا، وهو ما أرى أنه سير نحو المزيد من التنافر بين الجمهور و"النخب" ولا يقدم ولا يؤخر في عملية "التنوير" بل يصل في بعض مراحله لنكسة لعملية التغيير نفسها، لذلك، أرى أن هناك غياب شبه تام لأهم سبل التغيير والوعي، وهو نشر المعرفة بين الناس واشاعتها وتركهم يحللونها ويحكمون عليها بأنفسهم من دون محاولة خلق وصاية عليهم، فتلك طريقة أعتقد أنها قد تسهم في تغيير الكثير من الأفكار وأنماط التفكير، فكم من شخص غير تفكيره كتاب أو مقال.

 

وهنا أتحدث من خلال مشاهدات لمستها في الواقع وقصص تغيير مرت أمام عيني، طبعا ليست دراسة علمية ولا بحث ميداني رصين؛ لكنها تظل مشاهدات أظن أنها تستحق التأمل والتوقف، ومن تلك المصادفات والمشاهدات، أن يحدث وتسر وتفاجأ بأن صديقك الوثوقي والدوغمائي، المتعصب الذي كان قد قرر تسليم عقله لغيره وتسريحه في إجازة حتى إشعار آخر، تحول إلى كائن عقلاني نسبي، يناقش بأريحية وانطلاقا من فرضية أنه لا يملك الحقيقة المطلقة، وأصبح إنسانا يتقبل الآخر ومنفتح على كل الآراء، وأن سبب تحوله لم يكن أن  جماعة قامت بغسل دماغه أو حزبا أطره ليكون رقما من ضمن مناضلين كثر، يكررون بشكل ببغائي ما يقوله الزعيم حتي ولو طبعته البلاهة والتفاهة-تلك العملية، لا أظن أنها تنتج صاحب تفكير حر-، بل تغير نتيجة كدح معرفي ذاتي، كانت بدايته مقال أو كتاب أهداه له صديق من دون أن يقول له أن فيه  كنه الحقيقة أو يظهر  له في ثوب الوصي والداعية المتعالي، الذي يطالبه بترك أفكاره البالية  ويقزمه وكل قناعاته ومقدساته، أو كانت البداية نقاش ثنائي  ودي عابر مع صديق أو أحد المعارف، يخلو من روح محاولات تسجيل النقاط  في الخصوم الأيديولوجيين أو السياسيين أو استعراض المعرفة بشكل ريائي لإظهار جهل أو تخلف الآخر.

 

ويحدث أن تجد مكتبة ناشئة وصغيرة لكنها تحوي نفائس الكتب التي تخاطب النفس والعقل وتحث على التعددية الفكرية، وترنو لنشر المعرفة بين الجمهور، تساهم في هدوء وبشكل ملحوظ ولو بسيط في تغيير قناعات البعض وتوسيع مداركهم، تقدم المعرفة وتعرضها على الجمهور وهو من يحدد أي الأفكار التي تروق له وأي الطرق يختار.

 

 

علينا دعم من يقومون بنشر المعرفة بين الجمهور لتبقى مشاريعهم على قيد الحياة، وتسهم في عملية تغيير الفرد؛ فنحن في وطن تختطفه عصابة تخوض حربا ضروسا ضد المعرفة والفكر

تفعل ذلك من دون توجيه ولا دعم، بل صاحبها تخنقه الديون في حين أن مشاريع تافهة تدعى" تنوير" الناس تكتنز أموال التمويلات في أرصدة أصحابها البنكية المشبوهة، ونجد أن منصة تقدم محتوى تطبعه الرصانة أو تترجم معرفة ذات أهمية، تستطيع أن تغير العقليات في هدوء وسكينة؛ فتكون مكانا يطبع فيه الجمهور العلاقة مع المنطق والتفكير الحر والتعرف على سرديات مخالفة لما كان يستقر في عقله ويعيق قدراته النقدية، وهناك تجارب عربية كثيرة لمنصات من ذلك القبيل؛ لكن مثل هذه المنصات لا وجود له في بلدنا ونحتاجها بشكل ملح.

 

خلاصة القول هي أننا لو أردنا تغيير الكثير من العقليات التي نراها معيقة لبناء المجتمع أو الدولة التي نطمح لها ونرتضي، قد يكون من المناسب التوجه نحو التسابق في نشر المعرفة  واشاعتها بين الناس والترويج لضرورة مشاعيتها والحد من احتكارها، عبر كل الوسائط المتاحة بل وخلق وسائط جديدة أقرب للجمهور، كل منا حسب جهده وطاقته، حتى ولو اقتصر جهدنا على مشاركتها مع أصدقائنا على  شبكات التواصل الاجتماعي، فحسب اعتقادي أنه  كلما زاد الزاد المعرفي للشخص وتعددت مصادره ومرجعياته ومواطن إلهامه، كان أقرب للتفكير الحر وخف سمك الغشاوة الوثوقية التي تحد  رؤيته في لون واحد وتحرمه من جمال تعددية الألوان في قوس قزح.

 

هذا بالإضافة لدعم من يقومون بنشر المعرفة بين الجمهور لتبقى مشاريعهم على قيد الحياة، وتسهم في عملية تغيير الفرد؛ فنحن في وطن تختطفه عصابة تخوض حربا ضروسا ضد المعرفة والفكر ولها ثأر قديم مع الوعي وأسبابه، وهذا حال أي عصابة تستولي على الحكم؛ فالمعرفة خطر على الظالمين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.