شعار قسم مدونات

بطل عاد من التاريخ إلى أرض الواقع

blogs - أحمد الدقامسة
أذكر ذات مرة في مهنتي كمعلم، طلبت من طلابي في حصة التعبير كتابة قصة يتخيلون فيها عودة القائد صلاح الدين، واصفين موقفه من حالنا في هذا الزمان. كان هناك شيء من الاستهجان للفكرة؛ إذ إنه كان من الصعب على الطلبة تخيل موقف مستحيل كهذا. وكانت ردة فعلهم متباينة ما بين استغراب، وتعجب، واستحالة، واستفهام. – كيف سيخرج بطلًا من قصص التاريخ التي عفا عنها الزمن؟ – كيف سيعود إلى الحياة من مر على وفاته ما يربو عن تسعة قرون؟

مع أن الأمر بدا في أوله متكلفًا إلا أنه ما إن شرع الطلاب بالكتابة حتى خيم الصمت على أرجاء الغرفة، وكأنما على رؤوسهم الطير، والطلاب بين مجنح في خياله، وبين آخر قد رسمت على وجهه بعض تفاصيل الحزن، وآخر متحسرًا وكأنما قد يئس رجاؤهم في عودة بطل كهذا إلى زماننا. ولكن المستحيل قد تحقق، بولادة بطل من الماضي، يخرج لنا بعد زمن طويل، بثياب الجندي الأصيل يعود ليرى الشمس لأول مرة منذ عشرين عامًا.

خرج البطل من قصص التاريخ التي عفا عنها الزمن، فقد عاد الذي كان يحمل رقمًا في السجون، إلى خانة الأحياء بغرابة حاملًا اسمه الذي نسيه منذ عقدين من الزمن "أحمد الدقامسة". خرج وفيه الرجاء بأن هذا الزمان كالذي مضى، ولكنه لا يعلم أن الشمس التي فوق رؤوسنا اليوم لم تعد كالشمس التي ودعته قبل اعتقاله، فقد كانت الشمس وقتها رمزًا للحرية، والشمس في وقتنا ليست إلا بقعة ضوء قد سلطت أشعتها علينا حتى تعمي أبصارنا.

أراك كالغريب بيننا، وكأنما قد خرجت من قصص التاريخ التي تدارسناها وبتنا نشك أنها أسطورة لم تكن في زماننا الماضي، ماذا جنيت يا سيدي حتى تعود من أسرك الصغير إلى أسر كلحت فيه الوجوه.

رفقًا بنفسك أيها الجندي أن تريها مصائبنا، ففي العقدين أصبحنا ننام وليس لنا همٌ بما يجري بغير بلادنا، ننام وقد تيتم طفل في بلاد الشام، وترملت أم في الرافدين ولا يهمنا، ننام ملء جفوننا ولا نأبه لما يجري وإن سألونا عن الأحوال كان الجواب: لا ندري، فبين العام والعام كنا نتشرب الظلم حتى عاد جزءًا منا، بين العام والعام أصبحنا غثاءً يزداد فينا الحقد على بعضنا أكثر منه على عدونا، بين العام والعام يزداد الصمت فينا حتى أصبحنا نطالب بأن يكون لنا جزءٌ من الوطن المغتصب، ولم نعد كما كنا. فما بالك أيها البطل بعشرين عامٍ؟

أراك كالغريب بيننا، وكأنما قد خرجت من قصص التاريخ التي تدارسناها وبتنا نشك أنها أسطورة لم تكن في زماننا الماضي، ماذا جنيت يا سيدي حتى تعود من أسرك الصغير إلى أسر كلحت فيه الوجوه، وبات البطل فيه مستهجنًا وغريبًا.

نعم أعلم أنك قد سجنت لأنك لم ترضَ بالظلم، لكن الظلم اليوم قد ازداد حتى وجد له مكانًا بيننا ومنبعًا فينا، ولقد بدت فينا العداوة أكثر من أعدائنا، فماذا سترى يا سيدي في زمان رمادي تلونت فيه الوجوه؟
إذا اخترت أن تعود فعليك بعد اليوم أن تعالج نفوسنا التي تغيرت قبل أن تحارب الأعداء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.