شعار قسم مدونات

العلاقات المصرية الليبية وترتيب الأوراق

blogs - مصر وليبيا
مؤخراً أصدرت الخارجية المصرية بيانا تشدد فيه على أن اتفاق الصخيرات المدعوم من الأمم المتحدة أفضل خيار لحل الأزمة الليبية! البيان الصادر عن الخارجية هل يمكن اعتباره هزيمة للمسار المصري في تعاطيه مع الملف الليبي الذي طالما آمن بانحيازه لفصيل بعينه؟ أم أنها مرحلة جديدة لتريب الأوراق المبعثرة مع دول الجوار، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقات المصرية السعودية المتأزمة؟

في تصوري يعد هذا البيان منعطفاً جديداً وتغيراً ملحوظاً في تعاطي النظام المصري مع الأزمة الليبية بملفاتها المعقدة، الناشئة منذ سقوط نظام القذافي، ولذلك يجب التوقف أمام هذا التغير بشيء بالتحليل للوقوف على أسباب تغير في الموقف المصري.

فمنذ مجيء الجنرال السيسي إلى كرسي الرئاسة ومن خلفه المؤسسة العسكرية، وهم ينتهجون سياسة اجتثاث أي وجود للإسلام السياسي في المنطقة، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، أو تعطيل أي مسار في هذا الاتجاه، ومن منطلق هذه الفلسفة كان العداء واضحا للحكومة ذات التوجه الإسلامي الذي أنتخبت بعد سقوط نظام القذافي، وبطبيعة الحال كان العداء أكثر إجراماً في حرب الحصار والتجويع التي اتبعها مع قطاع غزة لتركيع حماس واستسلامها أوتسليمها، وليس بعيداً كان الامتعاض من حركة النهضة في تونس ولم يهدأ إلا بعد مجيء السبسي، ناهيك عن موقفه من الحكومة المغربية وبطبيعة الحال العلاقات المصرية التركية وأزماتها التي لا تنتهي.

عداء النظام الجديد للإسلام السياسي لم يأت من فراغ، وإنما من الأيدلوجية التي يؤمن بها، والتي جعلتهم ينقلبون على أول رئيس منتخب ذو مرجعية إسلامية، وبناءً عليه راحت المؤسسة العسكرية وعلى رأسها الجنرال السيسي في البحث في الدفاتر الليبية القديمة، فعثروا على ضالتهم الجنرال حفتر! فكان القرار بمساندته بكل أشكال المساعدة لخلق نسخة مكررة في ليبيا مما حدث في مصر.

النزاع في ليبيا لا يمكن حسمه بالسلاح أو أن انتصار طرف على آخر بات وشيكا، وبالتالي بقاء الوضع غير المستقرعلى ما هو عليه يشكل تهديداً فعلياً للأمن القومي المصري.

كما يمكن اعتبار بيان الخارجية هزيمة لمشروع استنساخ سيسي آخر في ليبيا، كان المأمول منه إخماد أو هزيمة كل المجموعات المنضوية تحت الإسلام السياسي، ويكون ذراعهم في المستقبل الليبي. ولكن وبعد فشله الكبير في تقديم نفسه كمخلص اللبيين من الإرهاب "المحتمل" بل غاص هو في صناعة الإرهاب، فهناك تقارير مخابراتيه تؤكد أنه متواطئ مع تنظيم الدولة "داعش" لضرب التنظيمات التي تحارب داعش، ناهيك عن فشل التسويق للمخلص الروسي في الصراع الليبي على غرار ما حدث في سوريا!
 
تغير اللهجة المصرية قد يكون دليل اتساع رقعة الشقاق بين الإمارات والنظام المصري، على اعتبار أن الإمارات تتماهي في الكثير من الملفات مع الجانب السعودي، على الرغم من أنها كانت من أقوى المناوئين لأي حكومة ذات توجه إسلامي في المنطقة، وكانت لا تُخفي مساندتها لحفتر بالسلاح، بل إن سلاحها الجوي شارك في الحرب ضد الفصائل المناوئة للجنرال حفتر.

البيان أيضاً يمكن اعتباره استسلاما "متأخراً" للتوجه الأممي وللنهج الأفريقي المُصًر على عدم الاعتراف بأي حكومة شكلها حفتر أو اتفاقيات إلا ما تمخضت عنه مخرجات اتفاق الصخيرات الذي عقد في 2015، والذي توافقت عليه تقريباً معظم الفصائل الليبية بإشراف الأمم المتحدة وبرعاية مغربية.

قد يكون البيان محاولة من النظام لتحسين صورته النظام أمام كافة الفصائل الليبية وللبحث عن موطئ قدم في ليبيا المستقبل الغني بالنفط وعقود الإعمار، خاصة بعد أن كانت تميل إلى طرف بعينه، ومن ثم لم تكن وسيطا نزيها يوما ما بين أطراف النزاع.
في كل الأحوال البيان يعد خطوة هامة، تؤكد أن النظام قد توصل إلى نتيجة مفادها أن النزاع في ليبيا لا يمكن حسمه بالسلاح أو أن انتصار طرف على آخر بات وشيكا، وبالتالي بقاء الوضع غير المستقرعلى ما هو عليه يشكل تهديداً فعلياً للأمن القومي المصري على اعتبار طول الحدود المشتركة بين البلدين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.