شعار قسم مدونات

على الهامش.. يوجد آندريا

blogs- أطفال الشوارع
في جيبي ما يكفي لثمن قهوتي وعلاوة درهمين تبدو كريمة لأي نادل. أجلس متكئا على كرسي مهترئ منهمكا في مشاكلي الخاصة، وفي أوراقٍ أهلكت عقلي ولم تفده، وأسترق النظر لمباراة الأسبوع الماضي المعروضة على ذاك التلفاز المعلق في سقف المقهى. تُوضع قطعة حلوة أمامي ولم أُعرها اهتماما، فهي لأولئك الباعة المتجولين وأغلب رواد المقاهي لا يقتنونها.
 

بعد وهلة يقف متسمرا أمامي صاحب تلك الحلوى. أرفع عيني لأحس برعشة تصعد من أخمص قدمي متجولة في جسدي النحيل لتستقر احمرارا على أذني كشخص أصيب بالإحراج. إنه طفل أكاد أجزم أن عمره 8 سنوات. يملك واحدة من تلك الوجوه المشرقة، ففي بلدي توجد عدة وجوه أوضحها وجوه مشرقة وهي عادة ما تكون جميلة وفي الجانب الآخر توجد وجوه البؤس وهي الوجوه القبيحة، وما بينهما وجوه مشرقة سينال منها البؤس عاجلا غير آجل. هذا الفتى حسن المنظر، ذو شعر حريري غير مرتب وله عينان حزينتان. ماذا يفعل هنا والآن؟ أليس من المفترض أن يكون في المدرسة؟
 

لم ألتمس لها أي عذر وهي تأخذ تلك الدراهم من الفتى وتسبقه بخطواتها غير مبالية به ليزيد هو في سرعته ليواكبها بينما يمر قربه شباب يحملون كرة قدم، فيلتفت للنظر إليهم حتى اختفوا عن نظره.

لاحت لي عدة أفكار أربكتني وجعلت ذهني فوضى. نظرت مطولا إليه و إلى الكيس الذي يحمل والذي بقيت فيه بضع قطع حلوى، تمنيت لو اشتريتها كلها لأريحه من عمل اليوم لكن تذكرت قيمة جيبي ولعنت فقري وفقره، لكن فقره الذي دفعه ليخرج في هاته السن المبكرة ليعمل أشد. لن يحصل النادل اليوم على علاوته، أعطيت الفتى درهمين وقلت له: "قطعتا الحلوى هاتان لك"، رد رافضا بأدب: "لا"، سيجعلونني أبيعهما لزبون آخر". وضعهما على الطاولة وودعني بابتسامة خفيفة.
 

التفت متطلعا إلى التلفاز الذي يعرض المباراة بينما أنا أتأمل في قميصه الرياضي الأزرق للمنتخب الإيطالي، والذي يحمل اسم بيرلو. تناديه فتاة يظهر أنها تكبره بسنوات قليلة. أحاول أن أسمع اسمه من شفتيها لكن بدون جدوى، يغادر الطفل المقهى ببطء محاولا التفرج على ما يمكنه من المباراة. تمسك الفتاة بيده وتجره إلى الخارج وألحقهما لأقف على عتبة المقهى بفضول.

أرى سيدة عجوزا تلبس الأسود تنتظر الطفلين. ربما يوجد الحب من أول نظرة لكنني كرهت هاته المرأة من نظرتي الأولى. لم ألتمس لها أي عذر وهي تأخذ تلك الدراهم من الفتى وتسبقه بخطواتها الواسعة غير مبالية به ليزيد هو في سرعته ليواكبها بينما يمر قربه شباب يحملون كرة قدم، فيلتفت للنظر إليهم حتى اختفوا عن نظره و كادت أن تختفي تلك العجوز الشمطاء أيضا لكنه هرول خلفها.
 

عدت إلى مقعدي وإلى قهوتي الباردة. أحلم مستيقظا بأنني غني أو أملك على الأقل ما يكفي لأنقذه من تلك الساحرة الشريرة وأعيده إلى المدرسة ليدرس صباحا ويذهب للعب ما يحب ليلا. لكن بعض الأحلام بريئة وغبية كذلك لاستحالتها.
 

أحاول ترتيب ما حدث أمامي. اسم الفتى، أصوات السيارات وضجيج المقهى، العجوز، كرة القدم، قميصه الرياضي للاعب الإيطالي آندريا بيرلو، حين حاولت إعادة صياغة ما جرى، ورواية قصة طفل يعيش على هامش منسي سميته آندريا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.