شعار قسم مدونات

خلاص كونتا كنتي وبوب مارلي

blogs- كونتا كينتي
إفريقيا هي أرض الحضارة والجمال والثراء الثقافي والأساطير والملاحم والثروات الطبيعية؛ لكنها أيضا أرض الظلم والحيف؛ وقد عاش ناسها عبر العصور ولا يزالون، شتى صنوف المعاناة. وهي أرض تسكن قلوب أبنائها حتى من فرضت عليهم عاديات الزمن تركها.
 

ومن أكثر قصص إفريقيا وجروحها الغائرة، تأثيرا في وجدان أبنائها، حكايات استعباد الملايين من أجدادهم من قبل الرجل الأوربي الأبيض وبيعهم في أسواق النخاسة؛ فقصة اختطاف الأفارقة من أراضيهم ونقلهم في السفن بطرق سادية ليباعوا كعبيد في أمريكا، لا تزال تؤرق حاضر أبناء هذه القارة.
 

ولا يزال أبناء الأفارقة في أمريكا وغيرها من المواطن التي شحنتهم لها يد الاستعباد الأبيض، يتذكرون بكل أسى وحسرة ذلك الماضي الملعون، ويتألمون كلما مروا بشاهد من شواهد الحقبة البائسة، وهي شواهد كثيرة جدا، ومن أشهرها جزيرة غوري الواقعة اليوم في الحوزة الترابية للسنغال؛ فكانت مكانا لتعذيبهم وتصديرهم كالحيوانات، حيث تحتضن الجزيرة "متحف العبيد" وهو شاهد تاريخي بناه الألمان، سنة1776م، وهو عبارة عن مكان كان يحشر فيه العبيد بشكل همجي في زنزانات لا تتجاوز مساحة الواحدة منها 10 متر مربع، حيث يتم في الواحدة منها حشر وتكديس أربعة من الأفارقة المختطفين والمغدورين والمعدين للبيع، وكانت تعقد في المكان صفقات البيع.

كانت أغانيه ترانيم للحرية وسياطا تخترق جمود ذاكرة الجلادين، تذكرهم بماضيهم الوضيع؛ فكان بوب مارلي صوتا يحث الأفارقة على الاعتزاز بجذورهم.

ولحد الآن، يحاول البعض من أحفاد الأفارقة الذين استعبدوا، ربط الصلات بأرضهم الأم ويصر على الاعتزاز بجذوره، ويخلد المأساة، يحكيها أدبا وسينما وغناء، ومن أكثر الأعمال التي سردت ذلك الحزن، رواية الجذور للكاتب الأمريكي الإفريقي أليكس هايلي -تم تحويلها لمسلسل شهير-، الذي عاد فيها لجذوره، عبر ملحمة بطولية متعددة الأجيال، ومن خلال سرد قصة كونتا كنتي، الفتى الإفريقي الشهم الذي اختطف من غامبيا موطن سكنه وأسرته، ليباع في أمريكا.
 

وقد سرد ألكس بشكل بديع ومؤلم، تفاصيل رحلة عذاب كونتا ابن قرية "جوفور" الغامبية، ذا الجذور الموريتانية، سمي كونتا كنتي على الاسم الأوسط لجده كيرا كونتا كنتي، الذي تقول الأسطورة الواردة في الرواية أنه جاء من موريتانيا إلى غامبيا وأنقذ أهل قرية جوفور من المجاعة، وقد رفض كونتا اسم توبي الذي أطلق عليه من استعبده في أمريكا؛ كتعبير منه على الاعتزاز بجذوره وهويته، واستعباده وغيره من الأفارقة على يد البيض.

وكان أليكس هايلي يتتبع في روايته جذوره، حيث كان مسكونا بحكايات قديمة لعمته عن أحد أسلافه، عرف بلقب الإفريقي، وقضى اثني عشر عاما وهو يبحث عن حكايات أسرة كنتي، سائرا نحو الخلف في قرية إفريقية سنة 1750.

كونتا كنتي الذي كان يحلم بالدراسة في مدينة تمبكتو العريقة والمزدهرة والاغتراف من علمها الغزير، وطموحاته التي سحقت بسبب جشع ووحشية تجار البشر البيض، وقصتة وغيرها من الحكايات التي تختزل عذابات الإنسان الإفريقي في أمريكا، كانت ملاحم أسست لأنماط كثيرة من الفنون، وأصبحت مصدر إلهام للعديد من الفنانين، وقد حلت يوم الإثنين الماضي، السادس من فبراير، ذكرى مولد أحد الذين خلدوا معاناة الإنسان الإفريقي ومن جعلوها قضيتهم الأولى، وهو مغني الريغي الجامايكي بوب مارلي.
 

الهجين الحر
كانت سنة 1945، هي بداية مشوار بوب مارلي مع الحياة، حيث رمقته عيون والدته الجمايكية الافريقية السوداء، أول مرة، وهو ابن لضابط بريطاني بحري أبيض، أتى بوب مارلي نتيجة لزواج مرفوض اجتماعيا، وسرعان ما نجحت عائلة الضابط الأبيض في إفساد ذلك الزواج. حتى أن زواج والد بوب من والدته أدى لفصله من الجيش البريطاني.
 

تفرق والده ووالدته بعد عام من مولده، لتبدأ والدته رحلتها الصعبة لتربيته، حيث انتقلت نحو عاصمة جامايكا، كينغستون، حتى تجد ما تعيل به نفسها وابنها، وفي أحد أفقر أحيائها وهو ترينش تاون، تربى وترعرع، وبدأت قصة حبه للموسيقى، عشقها رغم عوزه وضيق يديه وعدم قدرته على شراء الأسطوانات.
 

وتقاذفته الأمواج حتى وصل لأمريكا بحثا عن العمل، حيث جرب أعمالا مختلفة، مثل العمل كعامل نظافة، لكن وجوده في أمريكا جعله يتعرف على حركة المطالبة بالحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عاين بنفسه الظلم والعنصرية التي تعترض طريق الإنسان الأسود في بلاد العم سام، وهو ما ساهم في تشكيل شخصيته وانحيازاته في الحياة.
 

اعتزاز بوب مارلي وكونتا كنتي بأرض الأجداد وثقافتها وهويتها ورفضهما الرضوخ للاستعباد وطمس الهوية، وروحهما الغنية بقيم الثورة الرافضة للسرديات الأوربية المضللة والتاريخ المختلق.

وعاد لبلاده مع حلم بعث موسيقاه للعالم، عبر إعادة تأسيس فرقة الويلرز، وهو ما نجح فيه بعد وقوعه في الكثير من المطبات والعراقيل، وقد تحول إلى صوت الإفريقي المظلوم والمنادي بالسلام والتحرر والاعتزاز بالجذور والقضاء على العنصرية والظلم، وتجسد ذلك لاحقا في أغانيه التي خلدها التاريخ، مثل جندي بافالو Buffalo Soldier وأغنية الخلاص "Redemptions song"، وأغنية "الحرب" وغيرها من أغانيه التي تذكر بقصة اختطاف واستعباد الأفارقة والداعية للتحرر.

كانت أغانيه ترانيم للحرية وسياطا تخترق جمود ذاكرة الجلادين، تذكرهم بماضيهم الوضيع؛ فكان بوب مارلي صوتا يحث الأفارقة على الاعتزاز بجذورهم، وكان الهجين ابن الأوربي والافريقية المظلومة، أفضل مخلص لإرث كونتا كونتي المسكون بهموم الإفريقي المظلوم والداعي للتحرر من قيد العبودية، كونتا المعتز باسمه وثقافته وتراثه ومن حافظ على قصته وورثها.

روح الريغي
كان بوب أحد أهم أسباب انتشار موسيقى الريغي؛ وهي الموسيقى التي بدأت في ستينيات القرن الماضي؛ فقبله لم تكن ذات شأن، وبعده أصبحت موسيقى عالمية متمردة، تجذب ملايين الآذان المتلهفة للتحليق في أفق الإبداع اللانهائي، واليوم تحول هو وموسيقاه إلى مصادر إلهام للكثير من أبناء الكوكب والقارة الإفريقية خاصة؛ فتجد المغنى المغمور في تونس يتمثل حالته ويهيم بأغانيه ويقدم موسيقى الريغي بشكل محلي متناسق مع محيطه وواقعه، وتجد من يتخذها وسيطا لتوصيل صوته والتعبير عن المظلومين في موريتانيا أو السنغال وأي بقعة من بقاع القارة الإفريقية، ومصدرا لربط أبنائها ببعض ومقاسمتهم نفس الهموم، فعل بوب مارلي كل ذلك رغم أنهلم يعش إلا36سنة؛ فكان يكتب الكلمات الصادقة ويلحن ويغني ويصعد في سماوات عشق وتبجيل إفريقيا.

وأعتقد أن اعتزاز بوب مارلي وكونتا كنتي بأرض الأجداد وثقافتها وهويتها ورفضهما الرضوخ للاستعباد وطمس الهوية، وروحهما الغنية بقيم الثورة الرافضة للسرديات الأوربية المضللة والتاريخ المختلق، هو ما تحتاجه القارة الإفريقية اليوم، فهل يولد جيل إفريقي يرفض الاستعمار الجديد، واستعباد الشركات المتعددة الجنسيات ونهبها وتدميرها للقارة واهانتها لشعوبها؟ أتمنى ذلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.