شعار قسم مدونات

قرار ترمب بحظر دخول المسلمين والمعركة الدستورية

blogs - trump

خلال حملته الانتخابية وعد ترمب بأنه سيقوم بحظر دخول جميع المسلمين إلى الولايات المتحدة، وتطاول كثيرًا خلال حملته على الإسلام والمسلمين. صرح آنذاك بأنه: من الصعب أن نفرق بين الإسلام والجماعات الإسلامية المتطرفة، فالإسلام يكرهُنا، وأعداد كبيرة من المسلمين يؤمنون بالشريعة الإسلامية والاعتداء علينا، وأبرياءهم مشاركون في جرم حماية المتطرفين منهم.

بعد تصريحاته أجمع العديد من السياسيين -بمن فيهم نائب الرئيس الحالي(بينس)- بأن قراره بحظر المسلمين جميعًا سيكون غير دستوري؛ لأنه يعارض صراحةً التعديل الأول في الدستور والذي ينص على حرية التدين، وقوانين الحقوق المدنية والتي تمنع أي تمييز أو عنصرية ضد الآخرين بناء على الأصل أو العرق أو الدين.
 

حكومة ترمب تستند إلى قانون فيدرالي يعطي الرئيس الصلاحية بمنع دخول أي أشخاص يكون في وجودهم خطر على مصالح الولايات المتحدة. لغة القرار حاولت تجنب ذكر الإسلام والمسلمين؛ إلا أن ذلك لن يمنع المحاكم من النظر في عنصريته ضد المسلمين.

لذلك بعد فوزه أراد ترمب أن يجد طريقًا آخرا يكون مقبولًا قانونيا لحظر أكبر عدد من المسلمين دون أن يُسمى "حظراً للمسلمين". أصدر في 27 يناير قرارًا رئاسيًا بحظر دخول اللاجئين عموما لمدة 120 يومًا وحظر دخول اللاجئين السوريين بتاتًا، وبإيقاف دخول مواطني سبع دول إسلامية (وهي: أوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، والصومال، والعراق، وإيران) لمدة 90يومًا قد يتم تجديدها لاحقًا. وأعلنت إدارته في البداية أن دولًا أخرى قد تُضاف لاحقًا.

كانت الأمور غير واضحة في مدى تفسير القرار وبدء تنفيذه. بعد صدوره تواصلت سلطات الحدود والجمارك مع البيت الأبيض فجاء رد المستشار اليميني المتطرف جدا (بانون) -والذي يُعتقد أنه العقل المدبر وراء القرار- بأن يُنفّذ القرار حالًا وأنه يشمل حتى أولئك الذين وصلوا للمطارات ويحملون معهم تأشيرات دخول سارية.

وبالفعل تم وبدون سابق إنذار إيقاف من وصلوا للمطارات. هنا ثارت ثائرة أعداد كبيرة من الشعب الأمريكي واتجهوا للمطارات في مظاهرات كبيرة مطالِبين بإخلاء سبيل الموقفين. خرجت أعداد كبيرة من المحامين والمحاميات إلى المطارات وصاروا يعرضون خدماتهم بالمجان للمتضررين .

مع هذا الحراك الكبير وخلال ساعات استطاع المحامون ومؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها اتحاد الحريات المدنية (UCLA) كسب قضية في محكمة فيدرالية في بروكلين بعدم ترحيل من كانوا في المطارات وإدخال من يحملون تأشيرات سارية. في 29 يناير أعلنت وزارة الأمن الداخلي أنها لن تطبق القرار على حاملي البطاقات الخضراء (الإقامة الدائمة) رغم رفض بانون. في 30 يناير أقال ترمب النائبة العامة (وزيرة العدل) المكلفة بعد رفضها الدفاع عن قراره ووصفها له بأنه غير دستوري. بحلول 1 فبراير كان أمام المحاكم أكثر من 20 قضية مرفوعة من 5 ولايات وعدد من الأفراد.

حكومة ترمب تستند إلى قانون فيدرالي يعطي الرئيس الصلاحية بمنع دخول أي أشخاص يكون في وجودهم خطر على مصالح الولايات المتحدة. لغة القرار حاولت تجنب ذكر الإسلام والمسلمين؛ إلا أن ذلك لن يمنع المحاكم من النظر في عنصريته ضد المسلمين لأنها تستطيع النظر حتى للدوافع من وراءه.

الحكم الأقوى ضد قرار ترمب صدر من قاضٍ فيدرالي (القاضي روبرت) في سياتل في 3 فبراير والذي قضى بإيقاف مؤقت لتنفيذ القرار على مستوى أمريكا. بعد صدور الحكم بساعات أعلنت وزارتي الخارجية والأمن الداخلي إعادة العمل بكل التأشيرات المسحوبة وكأن القرار لم يكن. حاول ترمب بطلب طارئ نقض الإيقاف مباشرة إلا أن محكمة استئناف الدائرة التاسعة رفضت وأعلنت أنها ستستمع للمرافعات بداية الأسبوع المقبل. السؤال الذي كان أمام المحكمة هو: هل يجب على المحكمة إيقاف تنفيذ حكم الإيقاف المؤقت الذي أصدره القاضي روبرت؟ حكمت بالإجماع بإبقاء الايقاف المؤقت والذي سيستمر حتى تنظر المحاكم في دستورية القرار.

بعد صدور حكم محكمة الاستئناف زاد حَنق ترمب وغرّد مهددا: سوف أراكم في المحكمة. رد محامي ولاية واشنطن بقوله رأيناك حتى الآن مرتين وهزمناك في المرتين! لكن يبدو من تصريحات ترمب الأخيرة أنه تراجع عن الرفع للمحكمة العليا حالًا، ربما خوفًا من هزيمة هناك أيضًا أو أنه من الأسهل إصدار قرار آخر أكثر إمكانية في تخطي العقبات القانونية. لا تزال الخيارات مفتوحة.

المَعيب والمضحك المبكي في آن أنه وفي الوقت الذي خرجت فيه الألوف في الغرب منددة بالقرار، طار بعض العرب والمسلمين فرحًا بعد صدوره لأن دولته لم تكن من ضمن الدول التي طالها الحظر.

وبغض النظر عن النتيجة النهائية لهذا القرار أو غيره، فإن الحراك الشعبي والقانوني بلا شك قد قلّص فرص نجاح القرار بمدى الشمول والاتساع الذي كان يطمح له ترمب ومناصروه ابتداءً؛ فمع كل يوم يمر مع هذا الحراك الكبير تحاول إدارة ترمب أن تضيّق تفسير القرار، وربما تقوم بإعادة صياغته وحذف بعض مواده.

هنا دروس سريعة يجب أن نعرّج عليها ونتأملها. خروج الألوف في أمريكا ودول أخرى رافضين ومنددين بالقرار الذي رأوا فيه عنصرية ضد المسلمين أمرٌ ينبغي أن نحترمه ونقدره. بغض النظر عن وجود من استغل الحدث لأهدافه السياسية إلا أن الكثير ممن خرجوا كان خروجهم قضية مبدأية وأخلاقية. تدرك شرائح كبيرة من الشعوب في الغرب أهمية الحراك الشعبي ومؤسسات المجتمع المدني وسلطة القانون، وأنها قادرة على التغيير؛ ولذلك تمارس رفضها الاعتداء على الحقوق حتى لو كان الضرر لا يطالها هي. يدرك هؤلاء تماما أنهم متى ما سمحوا بإضعاف سلطة القانون في بلادهم فإنه وإن لم يكونوا متضررين الآن فسينالهم الضرر يوما ما.

الحكمة ضالة المؤمن، ولابد أن نكون أهل عدل ومروءة ونعترف أن في الغرب جوانب فيما يخص احترام سلطة القانون والعدالة ومؤسسات المجتمع المدني والوعي الشعبي يجب أن يُستفاد منها. نستطيع أخذ الكثير من خير الحضارة الغربية كما أخذ أسلافنا من خير حضارات سبقتهم. لنتجاوز عقدة المفاصلة في كل شيء فليس كل من في الغرب مُبغضٌ للمسلمين وليس كل ما في الغرب مَعيب.

المَعيب والمضحك المبكي في آن أنه وفي الوقت الذي خرجت فيه الألوف في الغرب منددة بالقرار، طار بعض العرب والمسلمين فرحًا بعد صدوره لأن دولته لم تكن من ضمن الدول التي طالها الحظر وبادر بأنانية بمنع من حوله مِن أن ينتقدوا القرار إما بدعوى أنه "لا دخل لنا"، أو أنه يحق للرئيس منع من شاء بلا حدود، أو نظريات مؤامرة.

في نفس الوقت الذي ملأ المحامون في أمريكا ساحات المطارات وردهات المحاكم، تسابق "محامون" و"حقوقيون" عرب، مع الأسف الشديد (ودون معرفة بالقانون الأمريكي وقبل حكم المحاكم) ليقولوا بأن القرار قانوني، قد يغيب هؤلاء المحامون عند الاعتداء على حقوق العرب والمسلمين بدعوى عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، لكنهم هنا عندما أرادوا اتخاذ هذا الموقف الشجاع لم يروا بأسًا من التدخل! بل تجاوز الأمر هذا ليصل إلى أنه وفي خضم الحدث، وبدعاوى أسباب أخرى، طلب بعضُ "المثقفين" من الشعوبِ العربية أن تشكر ترمب!

جُلْتُ في الفكر للحظات، وتخيلت لو أن أحد رؤساء الدول العربية أو الإسلامية صرح مرارًا أن مشكلة بلاده الحقيقية هي مع النصرانية المتطرفة، وأن الكثير من النصارى متطرفون لأنهم يؤمنون بالشريعة النصرانية، وعيّن أشخاصً في إدارته يشتمون النصرانية، ثم اتخذ قرارًا بحظر دخول مواطني دول نصرانية لبلاده، ماذا سيحدث؟ هل سيتسابق رموز الدول ذات الأغلبية النصرانية لشكر رئيس هذه الدولة (لأي سبب من الأسباب) ويدعون أفراد الشعب أن يشاركوهم شكر الرئيس الذي يهاجم دينهم وأهلهم! وحتى لو حصل هذا فكيف ستكون ردة الفعل الشعبية تجاه هؤلاء!

لا أعلم لماذا أتذكر الآن قول غازي رحمه الله: قـد عجزنا حتى شكى العجزمنّا.. وبـكينا حـتى ازدرانـا البكاءُ.. وركـعنا حـتى اشـمأز ركوعٌ.. ورجـونا حـتى استغاث الرجاءُ.. وارتمينا على طـواغيتِ بيتٍ.. أبـيض ٍ مـلءُ قـلبه الظلماءُ.. أيـها الـقومُ نـحنُ مـتنا ولكن.. أنـفـت أن تـضمنا الـغبراءُ
 

لن أكمل القصيدة.. وسأبقى متفائلًا..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.