شعار قسم مدونات

السعودية.. والقدس التي تقاوم

blogs ترمب و بن سلمان

يبدو أننا بحاجة إلى إعادة قراءة الواقع العربي برمته، فهناك من الخلط المتعمد باستخدام أدوات صناعة الوعي؛ ما يلزمنا التحرر من هذا الوعي الزائف ومحاولة الرؤية وسط الضباب الصناعي الناتج عن الميديا العفنة، تلك الميديا العفنة التي تحاول دس أفكار مسمومة طوال الوقت عدة ثوابت خاطئة بل وتصل إلى حد الجريمة الكاملة، وعلى رأسها أن النظام السعودي هو حامل راية الدفاع عن المنطقة من إيران، ولأن الصراع يبدو أكثر جاذبية للجماهير عندما يرتدي عباءة المذهبية؛ فيصبح المدافع الأكبر عن السنة هو النظام السعودي.

وإذا حاولنا معرفة الحقيقة من وراء الضباب سنجد أن النظام السعودي هو أكثر الأنظمة المعادية لشعوب المنطقة وأكثر الأنظمة التي تستخدم كل مواردها المالية والسياسية لإحداث أكبر تفتيت ممكن لكل القوى المجتمعية والسياسية والأنظمة التي تحاول الدفاع عن المنطقة من الجحيم القادم، وهذا الرأي ليس فقط بسبب معاداتها للثورات العربية وإنفاقها مئات المليارات من الدولارات لتمكين الثورات المضادة؛ ولكن هذه السياسة ممتدة منذ وقت بعيد، وظهرت بوضوح في كارثة تدمير العراق ثم سوريا ومصر، ولم نفاجأ عندما عرفنا حجم الإنفاق الكبير في العشرية السوداء الجزائرية من النظام السعودي لقتل ما يقرب من نصف مليون جزائري وتمكين عسكر فرنسا في الجزائر.

يحاول النظام السعودي جاهدا نشر فكرة أنه المدافع عن السنة في المنطقة بالرغم من أن كل الحقائق والوقائع تشير إلى عكس ذلك تماما، ومن الضروري محاولة قراءة أسباب ذلك العداء لكن في البداية يجب علينا الاقتناع بمدى خطورة النظام السعودي على وجودنا متجاوزين ذلك الضباب المصنوع الذي يحجب تلك الحقيقة الناصعة.

 إعلان الإدارة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل كان نتيجة طبيعية ومتوقعة بل ربما واجبة في ظل الواقع الحالي للمنطقة، ولا يمكن تغيير ذلك الوضع في وجود الأنظمة الحاكمة الحالية
 إعلان الإدارة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل كان نتيجة طبيعية ومتوقعة بل ربما واجبة في ظل الواقع الحالي للمنطقة، ولا يمكن تغيير ذلك الوضع في وجود الأنظمة الحاكمة الحالية

إن الصراع الكبير في المنطقة الآن من قوى نعلمها وقوى أخرى ربما ليست واضحة الآن لن يتوقف حتى إعادة صياغة المنطقة طبقا لأوزان القوى للمتصارعين، وفي غياب أو تحجيم القوى المنتمية لهذه الأمة؛ تصبح الشعوب في مهب الريح أمام تلك الأعاصير العاتية القادمة، ويبدو أن النظام السعودي قد حسم أمره منذ زمن بعيد بالاستسلام التام لما يراه المشروع المنتصر القادم -وهو النظام الصهيوني- مما يدخله في زمرة الخونة تماما كما يفعل ما يسمى الجيش المصري ونظامه. كما أن عدائه المعلن مع النظام الإيراني ربما يكون حقيقيا؛ ولكنه ليس للدفاع عن " السنة" كما يحاولون الترويج له؛ ولكنه يعمل كذراع لمشروع الصهيوني المتمدد.

إن تمهيد الأرض الواجب في المنطقة قبل وصول الصراع لذروته بين المشروعات المتصارعة كان يستلزم القضاء على القوى المجتمعية الأكبر والتي تستطيع مقاومة كلا المشروعين؛ وهي حصرا القوى الإسلامية الممتدة في كل البلدان العربية، وكان حتما أن يتم فصل التيارات الإسلامية عن المجتمع وشيطنتها وصناعة أوهام المدافعين عن السنة والحامين من الفوضى وغيرها من المصطلحات عديمة المعنى أو المضمون، وهذا حتى تصبح الساحة فارغة لصراع القوى التي تريد إعادة الهيكلة، فبالتأكيد سيكون أكثر سهولة أن تتعامل مع مجتمع فارغ من قواه وأنظمته عميلة لا تعرف معني الشعب أو الحرية، وكل ما تعرفه هو البقاء في أحضان الأقوى ليحمي عروشها.

لم تكن تلك الإجراءات التي يقوم بها النظام السعودي وغيره من الأنظمة الفاسدة فسادا مطلقا بسبب عدم وجود بدائل في ظروف قاسية؛ ولكنه كان نتيجة لما قاموا به من تمهيد واسع للأرض قبل الاختراق المعد سلفا، إن إعلان الإدارة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل كان نتيجة طبيعية ومتوقعة بل ربما واجبة في ظل الواقع الحالي للمنطقة، ولا يمكن تغيير ذلك الوضع في وجود الأنظمة الحاكمة الحالية والتي تنتمي حصرا لقوى أخرى ليس لها علاقة بنا، ولذلك فإن بداية تحرير القدس تبدأ بتحرير مكة أولا وتحرير القاهرة ودمشق وبغداد، وكل التاريخ يشير أن القدس هي النقطة الأخيرة التي تسقط بعد انهيار المحيط الإقليمي الحامي لها، كما أنها آخر من المدن المحررة بعد تحرير كل المحيط الإقليمي.

الخلاصة أن تحرير مكة يسبق تحرير القدس، وأن القدس وما حولها يقاوم الاحتلال وسيظل يقاوم، ولكن لن تنجو القدس ولا المنطقة من الصراع المحتوم بدون القضاء على الأنظمة الصهيونية المسيطرة والتي تحتل القاهرة ومكة، وأننا إذا حاولنا تصنيف المدن العربية الكبرى التي تحت الاحتلال طبقا لمدى سيطرة العدو؛ فسيكون الثلاثة الكبار المحتلين هم القاهرة وبغداد ودمشق، ورابعتهم الأكثر سيطرة من الاحتلال هي مكة، وربما تكون القدس هي المدينة الأخيرة في هذه القائمة الطويلة. عندما نحرر تلك المدن تتحرر القدس، ربما بلا عناء كبير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.