شعار قسم مدونات

نملك المفتاح.. وما زلنا نغرّد في السرداب!

blogs رجل بظهره

لعلَّ أصعبَ ما يمكن أن يصادفهُ الإنسان في معتركِ هذهِ الحياة حقيقةٌ صادمة تأتي كصفعةٍ قوية أو صعقة كهربائيّة يرتجف لها العقل تحديداً
، لكنّها تأتي على شكلِ سؤالٍ يخبرُ الواحدَ منَّا: أينَ أنتَ الآن؟ مرعبٌ هذا السؤال لو حملناهُ على مقياسِ الفلاحِ أو الإخفاقِ! النجاةِ أو الهلاكِ! فهل كان لأنفسنا نصيبٌ من هذا السؤال يوماً ما؟!

ماذا لو أخبرتكَ ألا تقرأ هذهِ المدوّنة يا صديقي وأنّها تحملُ في ثنايا سطورها أفكاراً ساذجةً وكمّاً منَ المعلوماتِ السطحيّةِ والسردُ فيها مملٌّ وروتيني، هل ستؤمن بما أقول أم أنّكَ ستُتابعُ القراءة؟! الإنسانُ يا صديقي.. هذا المخلوقُ الذي أكرمهُ الخالقُ ونفثَ فيهِ من روحهِ وجَبلهُ على فطرةٍ زُرعتْ فيها بذرةُ الفضولِ وكثرةُ السؤالِ والبحثِ والغوصِ في أعماقِ المجاهيلِ وصَبغَهُ بشريعتهِ المفروضةِ على التفكّرِ والولوغِ في غياهبِ اللامفهومِ ليزيلَ الإبهامَ والغموضَ ويبلُغَ مرامَ المعرفةِ؛ تراهُ كثيراً ضيّقَ الأُفقِ، ضحيلَ العقلِ، ضئيلَ الفطرةِ، حقيقةً تبصرهُ ينأى عن كونهِ إنساناً يحملُ بينَ منكبيهِ بحراً واسعاً يجعلُ منهُ مستنقعاً لا فائدةَ له، في جوفهِ ياقوتةٌ ثمينةٌ يصيغُ منها حصوةً لا قيمةَ لها.

ولعلّ تعطيلَ أيّ آلةٍ مهما كانَ حجمُ نفعها هو ضارٌّ ومشؤومٌ فكيفَ بمن يعطّلُ أعظمَ آلتينِ خُلقا؟ العقلُ! العقلُ الذي أبعدَ الشمسَ والقمرَ والكوكبَ كونهما آلهةً وصدّقَ باللهِ خالقاً لهم وإلاهاً لكلِّ شيء، والقلبُ الذي أيقنَ كُنهَ الآلهة وقادَ الجوارحَ لتحطيمِ الأصنامِ تسليماً ليقينهِ.

إنَّ التسليمَ بالتصديقِ والانصياعَ المباشر لكلِّ واردٍ إلينا دونَ سؤالٍ منّّا وبحثٍ عميق وفهمٍ دقيق لهو مصابٌ جللٌ وداءٌ عظيمٌ يفتكُ بالنفسِ أولاً، ثمَّ متشعّباً لمن حولها بالغاً المجتمعَ بأسرهِ تدريجيّاً، تلكَ ليستْ حالاتٌ فرديّةٌ نعاني منها في وسطٍ ما بل هيَ جهلٌ عمَّ مساحاتٍ شاسعةٍ من العقولِ، ممّا يُجهزُ على استخدامها ويقمعها في دهاليزِ الاتّباعِ الأعمى وما يجعلُ صاحبها دائماً أبداً في القطيع! تصديقُ كلّ شيءٍ كثيراً ما يكونُ سبباً للجهلِ، للفشلِ، للغباءِ.. للسقوطِ والندم.

ما أحاولُ إيصالهُ لكلِّ سائرٍ على دربٍ أو عاقدٍ عزماً على المسيرِ أنّكَ ستصادفُ رُقعاً كثيرةً افتعلها محضُ مرجفينَ أو حاقدينَ أو متصيّدينَ متربّصين فإيّاكَ إيَّاكَ والتصديقُ لتلكَ الأوهام
ما أحاولُ إيصالهُ لكلِّ سائرٍ على دربٍ أو عاقدٍ عزماً على المسيرِ أنّكَ ستصادفُ رُقعاً كثيرةً افتعلها محضُ مرجفينَ أو حاقدينَ أو متصيّدينَ متربّصين فإيّاكَ إيَّاكَ والتصديقُ لتلكَ الأوهام
 

مثلاً بينكَ وبينَ أن تعبرَ لبقعةٍ قطعتَ آلافَ الأميالِ للوصولِ إليها، رقعةٌ صغيرةٌ صادفكَ أحدُ الواقفينَ على أعتابها وخاطبكَ: "هذهِ الرقعةُ مليئةٌ بالألغامِ إيّاكَ والعبورُ منها".. في هذهِ الحالةِ تجدُ نفسكَ أمامَ ثلاثةِ احتمالاتٍ لم تأت منَ الفراغِ والعدمِ بل جراءَ العمليّةِ العقليّةِ التي أدرتها.

الأوّلُ: أنّكَ صدّقتَ الشخص، هنا عليكَ البحثُ عن سبيلٍ أخرى لبلوغِ البقعةِ المنشودةِ وقد تكونُ أو لا تكون، وإن كانتْ قد تفني عمركَ بالوصولِ إليها ثانيةً.
الثاني: أنّكَ صدّقتَ الشخصَ أيضاً، لكنّكَ تيأسُ وتقنطُ وتقرّرُ الرجوعَ إلى خطِّ البدايةِ للبحثِ من جديدٍ عن طريقٍ مغايرةٍ للبدأ من الصفر.
الثالث: أنّكَ شكّكتَ بالشخصِ ولا سبيلَ لجزمِ اليقينِ إلّا بعدّةِ مسالكٍ، قد تبحثُ في أمرِ هذهِ الرقعةِ وتسألُ أكثرَ وأكثرَ لا تكتفي بذاكَ القولِ الوحيدِ من شخصٍ مجهول، قد تمسكُ بعضَ الحجارةِ وترمي بها لتلكَ الرقعةِ كتجربةٍ ذاتيّةٍ جريئة.

أمّا اختياركَ للاحتمالِ الأوّلِ يوحي بالجهلِ والغباءِ لسهولةِ التلاعبِ بكَ وتسييركَ خارجَ نطاقِ ما تريد، واختياركَ للاحتمالِ الثاني يوحي بالفشلِ والقنوطِ والرعونة لسهولةِ قمعِ كلَّ محاولةٍ للنجاحِ الذي تريدُ ولسذاجةِ عقلكَ الذي يقرُّ بالمستحيلِ وغيرِ الممكنِ، أمّا اختياركَ للاحتمالِ الثالثِ هوَ جذوةُ العلمِ الحقيقي الذي لا ينطفئُ أُوارُها والإرادةِ الحديديّةِ التي لا تنكسرُ والعمليّةِ العقليّةِ التي نضجتْ من وحي القرآنِ والاتّباعِ العمليّ الذي استُمدَّ من ضوءِ السنّةِ النبويّةِ ومن هدي معلّمِ البشرية، ها هنا يجب علينا بجوارحنا وأفكارنا وبما نملكُ أن نكون عاكفين.

ما أحاولُ إيصالهُ لكلِّ سائرٍ على دربٍ أو عاقدٍ عزماً على المسيرِ أنّكَ ستصادفُ رُقعاً كثيرةً افتعلها محضُ مرجفينَ أو حاقدينَ أو متصيّدينَ متربّصين فإيّاكَ إيَّاكَ والتصديقُ لتلكَ الأوهامِ المختلقةِ وإيّاكَ الميلُ عما استقمتَ لأجلهِ والتّخلّي عما سرتَ لبلوغهِ، لا تصدّق كلَّ ما أُريدَ لكَ تصديقهُ، وصدّق ما تصلُ إليهِ بالبحثِ عن الحقيقةِ ومواظبةِ المعرفةِ لكلِّ مجهولٍ، فواللهِ ما رُفِعتْ أقوامٌ إلّا لحسنِ تسييرها العقلَ أداةُ التقدّمِ والازدهارِ والعمرانِ وما وُضِعتْ أقوامٌ إلّا لجحودها لأعظمِ الهدايا وكفرانها بخيرِ النّعم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.