شعار قسم مدونات

نوستالجيا مسافر

Blogs-train
إلى أَحدِ ما قد ضاعَ بينَ المُدن الكبيرة، وحينَ أَراد أَن يبقى تَذَكرْ أَنَّ داخلهُ مُحمل بِمَدينَتهِ الصغيرة التي تَمُرُ بِهِ كُلَ لَحظة بِتَفاصيلُها، بِشوارِعُها، بأَحداثُها البَسيطة، بالحافلة المُنتظرة أَمامَ المَنزل، بِالمُتَسولونَ الذينَ يَقرَعونَ طُبولَ المَدينة ذَهاباً وإياباً، حتى الأَطفال الذينَ يَبيعونَ المصاحف، يَمرونَ بِهِ كلَ صَباح، كَأْنَ منْ آدابِ يومه أَنْ يَتَذكرَ مدينتَه التي حَملها لأعوام مضت بِداخله قبل أن ينسى.
 
إلى أَحدٍ ما عَبَرَ أَزِقة المُدن الكبيرة وعلى وَقعِ نُزول المطر تذكر الباعة بِالأَسواق القَديمة، تَذَكرَ تلكَ الحِجارة المرصوفة فوق َ بَعضِها البعض برتابة لتصل إلى القبب المقوسة. وما مرت به عبر العصور من حروبٍ وانتصارات، من أفراحٍ وأحزان، من قصصٍ وتواريخ. تَذكر كيفَ كان َيعبرعند حزنهِ الأسواق بأدراجها الكبيرة، والحارات الضيقة حتى يصل إلى داخل مَدينَتِه الصغيرة. كيف كان ينظرُ إلى المارة ويبحثُ عن قصصٍ تروي حنينَ الأماكن وقدسيتُها.
  
تذكر كيف كان يعبر الساحات المرصوفة والجامع القديم وتلك ساعة التي تدق في وسط المدينة. تذكر كيف كان يطرح أوجاع يومه بين ثناياها لينتهي بزيارة المقبرة الشرقية، ليسامر جميع من فقدهم بكوارث الحرب، ليذكر لوالدته تفاصيل يومه الصغيرة والكبيرة. تَمُر به الأحداث كَزوبَعة. فإلى حدِ ما كانتْ نوستالجيا غربتهِ تلتهمهُ بشدة هذهِ المرة. بلا وعي كانت ذاكرته تفيض عليه بالصور كأنه خاف أن ينسى كل ما عاشه سابقا.
    
إلى أحدٍ ما شاهدَ تلكَ اللحظات التي عاشها سابقا َهُنالكَ بِروعةِ سائح بهر بِبساطة المكان وسحْره. فَبيْن الأَزقة تلك الألعابْ الشَعبية التي تملأُ الشوارع، وأَصواتِ الأطفال تعبُر شبابيكَ المنازل، وأصواتُ النوافيرُ التي تتسلل خارج المنازل. تلك الأحلام، أعادَتهُ طفلاً. فعلى غير عادته خاف أن ينسى تلك التفاصيل التي عبرته يوما وعاشها بدقة لامتناهية. ففي غربته كانت وحدها الناستولوجيا تقيه من النسيان والضياع. تقيه من ألم الوحدة والانعزال، تقيه من أفكاره للاستمرار، من موته البطيء. كأن دوائها الوحيد الذي يساعده على الاستمرار. فالأحداث التي زرعها في قلبه خشية النسيان، كانت أجمل عزاء لمسافر يصارع بها وحدته. 
         

تلكَ المدن الشاهقة، الباردة التي تجري فيها الحياة على الوقع السريع. تَخطفُ الوقت، الذِكريات، وتحرق كلّ شيء يعبرها سريعا كفراشة بلى أجنحة
تلكَ المدن الشاهقة، الباردة التي تجري فيها الحياة على الوقع السريع. تَخطفُ الوقت، الذِكريات، وتحرق كلّ شيء يعبرها سريعا كفراشة بلى أجنحة
           
كَيفَ له أن يَنسى ما سَكنَ بِداخلهِ، وعاشَ ليبقى. هي الأماكن تأسُر جزاءً من أَرواحنا. لِتصبحَ نحن، ونصبحَ هيَّ. كأجزاء لا تنفصل نَصيرُ معاً. فَتكونُ الحلم والماضي والمستقبل. هيّ الأماكن بالنسبة لمسافر، تَمكثُ بداخله وتنمو مع تفاصيلهِ لتؤنسَ وحدته. فيبحثُ عما يشبِهه حقاً، فالمُدن تُشبهنا ونشبهها تتأْصلُ فيناْ لتصبحَ نحن. لا شيء يملاُ مكان وحدته سوى مدنٍ عاشته كحكاية ومجدت له الأحلام كذكرى.
إلى أَحدٍ ما تأملَ ما يَجول بداخله بَعدَ أن ألفَت روحَه المَكان، لتأتي ساعة تفرقه عن ماضيه. وتستوطن فيه نوستالجيا مسافر لسنوات لتغمره أحداث عاشها ملياً. فلا يستطيع العدول عن شوقه الذي أثث ما بداخله بقوة. ولا يستطيع إحصاء تلك السنوات التي عاشها بعيدا عن موطنه. سوف يبقى معلقا بين موطنين، بين ما مضى وما سيأتي، بين ما عاشه وما سوف يعيشه. بَعد الفراق سوف تمرُ السنونُ والأعوام كطيفٍ ثقيلٍ حزينْ. محملُ بروائحِ بَقيتْ مُتأصلة في داخلنا. وسوفَ يمتدُ العمران على مُدننا الصغيرة التي حملتْ لنا جلَّ ما لدينا منْ أَحلام.
  
فلا تكفي حينها نوستالجيا المسافر لأن تقفَ على واقعٍ غابَ عنها، تلك المدنُ التي ترعرعت كأشجارِ الياسمين الزاحفة على أسوارِ البيوت القديمة، سوف تبقى كجذرٍ متأصل يسكنُ قلب مسافر، يحمل عنوانا غاب عن حاضرنا. كلما مرت سنة تغيرت ملامح المدن ربما شاخت وربما انتهت كما انتهينا، وبالأحرى أصبحت ْبداخلنا بصورتها الأولى فقط، بصورتها البريئة في أعينِ مسافر هاجر طفولته ولم يبقى لديه سوى حنينه إلى مكان نشأ معه، وبعدها غاب عنه كأنما ترك بضعا منه هنالك. وبضعاً جديداً عاش هنا. فهذا ما يجعلك تعيش بين موطنين وفي قلبك بريق أمل. فَتلكَ المُدن الصغيرة أقَلُ قَسوة من المدن الشاهقة، الباردة التي تجري فيها الحياة على الوقع السريع. تَخطفُ الوقت، الذِكريات، الأحداث، وتحرق كلّ شيء يعبرها سريعا كفراشة بلى أجنحة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.