شعار قسم مدونات

عن أشياء خذلتنا..

People prepare graves for other killed by an air strike in the northwestern city of Saada, Yemen November 3, 2017. REUTERS/Naif Rahma
من فرط الأشياء التي خذلتنا جاءني أحد الأصدقاء ذات صباح يشكو معركة خذلانه، ومن خذله هذه المرة ليس إنسانا أو كائنا كتلك الكائنات التي مرت بنا من أجل الخذلان فقط، إن خذلانه هذه المرة مختلف تماماً، لقد تخلّى عنه الموت في كل مساء ينتظره، لا أعلم كم مرات خذل الصديق عزرائيل أصدقاء لنا، لكن على ما يبدو أن صديقي كان أحد أهم الضحايا ومؤشر واقعي لانتظارنا جميعا لهذا المأوى الحتمي.
تذكرت رجل زوربا الذي درس الفلسفة على يد القراقوز في رائعة -كازنتزاكي- الذي وصف العالم بأنه سجن مؤبد ثم أردف بـ -عليه اللعنة-، وما أصعب شعور أن الأرض التي تنتمي إليها بمساحاتها الواسعة تحولت إلى سجن محوّطٍ بأسوار من الدمار والتآمر والخديعة.

لقد خذلنا كل شيء ومعنى كل شيء أن -السياسة والاقتصاد والجغرافيا والتاريخ والفيزياء والرياضيات أيضا، وكل شيء هنا سعى ضد كل أحلامنا التي وضعناها في أدراج الذاكرة إذ كنا نرضع من خيرات هذه الأرض وأثداء أمهاتنا، و-نا- هنا نا الجمع للذات اليمنية التي تعبر عنها تلك الجغرافيا الواقعة في أسفل الجزيرة العربية، والشباب الطامح لمستقبل قادر على توفير أبسط مقومات العيش التي يحظى بها الإنسان في شمال أوروبا أو أسفل أمريكا اللاتينية.

إن هذا ليس ضربا من التشاؤم، ولا ترف الكتابة، ولا حتى نزقا فلسفيا، بل إن هذا المسرح المؤلم موجود بالفعل وأكثر، وفي كل تجاعيد الخارطة اليمنية شريان ينزف وجرح غائر، وطفل يتألم، وامرأة ماتت أمنياتها، وكهل هدّه اليأس، وفتىً يرتقب الغمامة البعيدة بأمل، طالعوا أدبيات الأمم المتحده وإحصاءاتها الإنسانية المفجعة وتقاريرها التي نامت في أدراجها منذ وصولها من فرقها الميدانية منتصف ومطلع العام الحالي أو العامين والثلاثة والخمسة أعوام الفائتة، وطالعوا عيون الأطفال في المدن والأرياف اليمنية وهي تترصد القمائم وتقتات منها حين العودة من المدرسة، واسمعوا لتلك الأيام التي ما فتئت تبث فاجعة جديدة وحزنا آخر عبر الإعلام بمختلف واجهاته.

يذهب الأطفال إلى مدارسهم ولا تخلو أحاديثهم من براءة السؤال عن محمد بن سلمان الذي سمعوا آباءهم يرددون أخباره أثناء قصف الطيران أو أثناء سماع بكاء أرملة فقدت عائلها
يذهب الأطفال إلى مدارسهم ولا تخلو أحاديثهم من براءة السؤال عن محمد بن سلمان الذي سمعوا آباءهم يرددون أخباره أثناء قصف الطيران أو أثناء سماع بكاء أرملة فقدت عائلها
 

ما الذي يحدث بالضبط؟ من وجهة نظر محايدة فهنا أكثر من ثلاثين مليون إنسان تم سجنهم في حظيرة كبيرة وجغرافيا متسعة، ومن ثم إقامة سور كبير لمحاصرتهم والإيعاز إلى كل منهم بقتل الآخر داخل هذه الحظيرة، فمن يقتلون يتم دفنهم، ومن لم يٌقتلوا سيتم قتلهم، ومن لم يقاتل داخل هذه الحظيرة فمصيره إلى الجوع والهلاك والمرض؛ وفي كلٍ موتٌ لا رحمة معه ينتظر الجميع، والكل يسعى لإنهاك هذه الضحية التي تقف وحيدةً وسط الأعاصير، وأن تتشرب طينتها مزيدا من الموت.

إن الموت هنا بالمرصاد لكل من تسول له نفسه الحياة في هذه الجغرافيا العتيدة، يتملكك اليأس حتى تشك أن أحد لعنات التاريخ عليك أن تعيش بهذه الأرض أو أن تولد بها، وهكذا وضع هذه البقعة من الجغرافيا منذ سنوات خلت، وبهذا يراها المراقب والناقد الذي يراقبها وهي تكابد معاناة التعايش مع هذا الوضع المأساوي البالغ في القساوة.

ما عدا ذلك أمة جبارة تتعايش مع هذه الأرض كما لو كانت أما لكل إنسان يولد عليها، أمّة مكافحة ومناضلة تعشق أرضها وترابها وسهولها ووديانها وسواحلها وقممها كذلك العشق الذي يجعلك تتناسى كل آلامك وتسافر دون شعور.

يصحو الشيخ ذو الستين عاما كل صباح بتلاوة -المهجل- اليمني البهيج غير آبه بملفات المؤامرة التي تصاغ في الدهاليز السياسية، ويسوق غنمه إلى مرعاها ومن جبينه يشع نور التفاؤل فيقهر كل واقع عصيب أريد له أن يعيشه. ثم يذهب المعلم إلى مدرسته مبتسما بجلد وأنشودة أيوب طارش -رددي أيتها الدنيا نشيدي- ولا ينسى كل صباح من لعنة أو ثلاث لكل من حرمه وأسرته من الراتب الأساسي الذي يعتمد في العيش عليه، ثم يختم النشيد "لن ترى الدنيا على أرضي وصياً".

أيها العالم الإنساني... ألجموا هذا العبث وأوقفوا هذه المهزلة المخزية بحق التاريخ، ارحموا هذه الجغرافيا التي أنهمكتموها بمؤمراتكم وتغاضيتم عنها وهي تنتهك منذ زمن
أيها العالم الإنساني… ألجموا هذا العبث وأوقفوا هذه المهزلة المخزية بحق التاريخ، ارحموا هذه الجغرافيا التي أنهمكتموها بمؤمراتكم وتغاضيتم عنها وهي تنتهك منذ زمن
 

ثم يذهب الأطفال إلى مدارسهم ولا تخلو أحاديثهم من براءة السؤال عن -محمد بن سلمان- الشخص الذي سمعوا آباءهم يرددون أخباره البارحة أثناء قصف الطيران أو أثناء سماع بكاء أرملة فقدت عائلها في هذا الصراع المرّ والأليم. ثم يذهب الجميع إلى مقصده، لا أحد هنا يكترث بحجم المأساة التي حلت بهذه الوديعة الجميلة، وكمّ الحزن الذي يغتال هذه الحظيرة البالغة في الأناقة.

كالأشياء التي خذلتنا انحرف مسار التدوين إلى السياسي، وكان مقرراً له أن يتناول خذلان أحبة غيّبتهم الأيام مع مرارتها، وخذلان الزوجة والأهل والجميع، ولعل الخذلان الكبير الذي يتعرض له هذا البلد لا يساويه أي خذلان مهما كان حجم الحزن المصاحب. خذلني أيضاً صديقي الأنيق، طيب القلب، الذي رحل عنّي شهيداً وهو يكتب وصيته الأخيرة بدماءه الزكية لهذه الأرض الطاهرة، وفي وصيته كتب لابنته التي لم ينظر إليها:

"لا شيء في هذا الدنيا أبدا أتحسر عليه سوى أني سأذهب ولم أكحل عيني برؤيتك قط، وأنت التي كم حلمت بتقبيلها وضمها إلى صدري، واليوم هو اليوم السابع على مجيئك إلى هذه الدنيا وما يؤلم قلبي هو أنني لست بجانبك ولكن حسبي يا ابنتي يا قطعة من قلبي؛ أني ما ابتعدت عنكِ إلا من أجلها وفي سبيلها. فلتغفري لأباك ولتسامحيه فمن أجل أن تعيشي حياة أفضل من حياة أبيك، أسكب دمي يا ابنتي كرامة لهذه الأرض التي ستعيشي عليها، وليبقى قلبك نابضا دائما، وليبقى حبي لك مصاحبا لك في حياتك كلها لتكوني دائما فوق الثريا يا نبض". ونبض هو اسم ابنته.

هل رأيتم مثل هذه التضحيات العملاقة في التاريخ الحديث والقديم، وددت لو أني لم أكن شيئا بعد هذا، إلا فداءً آخر لها، إنها أمّنا التي مهما خذلتنا لن نتركها أبداً للمتشفين بنا وبأحلامنا، إنها نحن في أبهى كفاحنا ونضج وعينا، إنها أمنياتنا التي لن تنكسر أبداً.

فيا أيها العالم الإنساني… ألجموا هذا العبث وأوقفوا هذه المهزلة المخزية بحق التاريخ، ارحموا هذه الجغرافيا التي أنهمكتموها بمؤمراتكم وتغاضيتم عنها وهي تنتهك منذ زمن، واعملوا شيئاً بحق الجحيم أو بحق العشيرة والجيرة والإنسانية إن كنتم تعقلون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.