شعار قسم مدونات

ثغرة في وجع النسيان

Blogs-sanaa
لا الأرض، لا المسافات، لا الذكريات، قادرة على تجاوز وجعي بك، لا النسيان قادر على مواجهة مواجعي بفقدك، لا الأمنيات التي حملتها وإياك قادرة أيضاَ، سوى حسابات اللحظة تراودني بذكراك. ومررت بجانب ذلك الجدار الذي جمعنا بعد عشاء كانون الماضي، ولا ذاك الجدار قادر على تحمل ذكرى هزأنا الإثنين من شخصٍ جاء يسألنا عن أزقة صنعاء وما أتعب زقازقها.
           
صنعاء تلك الذاكرة الكبرى التي تحفظ كل ذكريات تعب الأصدقاء وتحفظ كفاح المارين على أزقتها كمن يمعن بالذكرى من أجل استيعاب قهر الغياب، تحتفظ لك صنعاء بكل حراك الذاكرة، لكنها غير قادرة على استيعاب طموح شبابها واحتضان أمنياتهم وحراسة بعض أحلامهم. ظننتُ يوما بأني قد تجاوزت ذكراك بفصلين، لكن أيلول وأزقة صنعاء مجتمعة تذكرني بفصلك الأول، كضحية أخرى في واديها المملوء بضحايا ذكريات الأرق، تخنقني كي أهبها دمعة تقتات بها يومها الخالي من الدموع إلا دموع الأرامل التي فقدت عائلها في حرب الكل ضد الجميع، وأكابر إذ لا دمعة مني سوى الأمل الكبير. 
               
وبينما أستمع لتراث صنعاني بهدف بلوغ النسيان العنيد، كان أبي يتحدث عن أمجاد السبتمبريين الأمجاد الذين تصدوا لحصار السبعين وعن ذكرياته أيام سبتمبر مع أزقة صنعاء، نفسها التي أهرب من ذكرياتها لو تعلم " أبي" كم أفكر بالفكاك من هذه اللعنات، وأنت تسرد لي أحداث بهذه النشوة والاستمتاع في الطرح، صنعاء ماكرةٌ يا أبي، تنكرت لكل شيء حتى لجهودكم الجبارة ذات أيلول.
        

وجع امتدت فصوله أكثر مما يجب وطالت لياليه الكئيبة أكثر من اللازم، وحل اليأس فيه كشاهد يروي التفاصيل من عيون الأطفال التي لا تحلم ولا تنام إلا على أزيز الحرمان

استوى أحد الأصدقاء على "مدكاه" وكأنه يمضغ حديث الذكريات الذي يسمعه من الوالد، بينما أنا حاجّاً إلى صنعاء أترجاها النسيان وأجاهد الذاكرة باتجاه الفكاك من ألم الذكرى، المجد للذكريات لكن هذا وطن تقتلك ذكرياته وأيامه واللاسلطة التي تعشقه عقداَ إثر آخر، ينتزع منك حقوق المواطنة مثل ما ينتزع حلمك من سقف يأويك حين التشرد. ومررت من باب السباح وسمعت صوتك بين حارات المدينة وأنت تهزأ بأنَاك، وذلك "القبيلي" الذي يلبس غبرة الأيام ويتوشح الوجع ويهدُّ الإرهاق بعزيمته كي يحظى بالحياة ويحقق حلم أطفاله، وأنا بأعلى صوتي أسكتك وأخطب لك كمية الإباء الذي يحمله هذا الإنسان وكمية الخذلان الذي تعرض له في حياته بعدد التعرجات التي تكسو وجهه وقدمية، ليس له منها إلا مثلنا، الذكرى ووجع الذاكرة وأحداث فائتة.

            
أكتب لعلّي أحدث ثغرة في وجع النسيان، لعل حرف ينقذني باتجاه الأمل المفقود، لعل أمنيتك الأولى تنسى أنها حاولت الوصول إليك في وقت لا يجب أن تصل، لعلني أبْلغ إليك وأنتهي من ألم الثانية والدقيقة والساعة والأسبوع والسنة والأيام المتعاقبة. أنهكتنا لحظات الضيق، والمسافات التي تفصلنا عن أحلامنا، وكل شيء يعبر هذه الأرض المنسية، وطائرات التحالف، ليس ثمة آمال تشكل قصيدتنا المدنية الكبرى، ليس هنا سوى قلب الثكالى يدمي حيطان المدينة وأسوارها، سوى نواح اليتامي وهم يأخذون حقائبهم الممتلئة بالخيبات خيبة إثر أخرى، سوى بشر منسيون من كل شيء حتى من أنفسهم.
               
وإذا تشكلت فرجة من حلم، حلّت إثرها نكبة أخرى تمحو كل أمل بهذه المدينة، كل ما فيها يتجرع نكبة الأرض التي تداعى الجميع لقتلها ووأد أحلام أطفالها، ركام منازل، وجوع الأرامل، وبكاء الأطفال المتشردة في أرصفتها، وحنين الغائبين. الموت ولا سواه يتصدر مشهد المسرحية التي أخرجتها رؤوس الشر وأنتجتها الشياطين وحمتها الجحيم، ومن ظهر رأسه صباحاً من شرفة بيته متسائلاَ لماذا تأدون هذه المدينة الجميلة؟ وتجيب امراته "انتهى الدقيق".
     
وجع امتدت فصوله أكثر مما يجب وطالت لياليه الكئيبة أكثر من اللازم، وحل اليأس فيه كشاهد يروي التفاصيل من عيون الأطفال التي لا تحلم ولا تنام إلا على أزيز الحرمان. صنعاء يا وجع الذاكرة، العهد بيننا وبينك ذكرى، ولو أن مشاقرك حرست أمنياتنا لما أوجعتنا ذكرى بهذا الحجم، ولكانت زقاقك موسيقى للفرح، ولكنا هناك نكتب الأمنيات بحبر طموحنا ومداد ذكرياتنا، لعل ذاكرة تنسى الوجع "كوني بخير" مع التحية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.