شعار قسم مدونات

سلّامة والقِسُّ العاشق

BLOGS الحب

قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتُها. فقال عمر: ذاك مما لا يُملك.

 

وقال كامل في محبوبته سلمى:

يلومُونني في حُبّ سلمى كأنما … يرون الهوى شيئا تيمّمتُه عمدا
ألا إنما الحُب الذي صدع الحشا … قضاءٌ من الرحمن يبلو به العبدا

ابن القيم: روضة المحبين ونزهة المشتاقين


تكثر في المصادر العربية قصص لافتة عن العاشقين والمحبين، تلك القصص التي لا تُخرج مكامن القلوب، وسلوات النفوس لمجرد العاشقين المشاهير مثل قيس وليلى، وجميل وبثينة وكثير وعزة وغيرهم فقط.

بل إننا نجد بعضًا من العلماء والفقهاء والقضاة قد وقعوا في الحب، واشتُهروا به، وقد حفظت لنا مصنفات التاريخ والأدب قصصهم اللافتة، يقول العلامة ابن حزم: "ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد استغني بأشعارهم (عن الحب) عن ذكرهم؛ وقد ورد من خبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وشعره ما فيه الكفاية، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد جاء من فتيا ابن عباس رضي الله عنه ما لا يحتاج إلى غيره حين يقول: هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود". (ابن حزم: طوق الحمامة).

بدأ ابن حزم كتابه بنفي حرمة
بدأ ابن حزم كتابه بنفي حرمة "الحب" بقوله: "الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد، دقّت معانيه لجلالتها عن أن تُوصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة"
 

فمن هؤلاء العباد النسّاك واحد من أشهر علماء مكة في عصره، وهو عبد الرّحمن بن أبي عمّار، الذي كان يُسمي القسّ من كثرة عبادته وتنسكه. مرّ عبد الرحمن ذات يوم بدار سهل بن عبد الرّحمن بن عوف، وكان سيدا لجارية تدعى سلّامة الزرقاء، وهي تغنّي، فسمع غناءها، فبلغ منه كلّ مبلغ، فرآه مولاها وتبيّن ما لحقه، فقال له: هل لك أن تدخل إليها وتسمع منها؟ فامتنع وأبى، فقال له: أنا أقعدك في موضعٍ تسمع من غنائها ولا تراها ولا تراك، وغناء ذلك الزمان إلقاء الشعر العربي بصوت رائق، ونغم عذب. ولم يزل به حتّى دخل وسمع غناءها، فأعجبه، فقال له: هل لك أن أخرجها لك؟ فامتنع بعض الامتناع، ثمّ أجابه. فأخرجها إليه، وأقعدها بين يديه، وغنّته، فشغف بها، وشغفت به. وكان أديباً ظريفاً. واشتهر أمره معها بمكّة حتّى سمّوها سلامة القسّ.

وخلا معها يوماً، فقالت له: أنا، والله، أحبّك فقال لها: أنا، والله، كذلك. قالت له: أحبّ أن أضع فمك على فمي. قال: وأنا، والله. قالت: فما يمنعك من ذلك، فوالله إنّ الموضع لخالٍ؟ فقال لها: ويحك، إنّي سمعت الله عزّ وجل يقول في كتابه: "الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاّ المتّقين". وأنا أكره أن تكون خِلّة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة. ثمّ نهض وعيناه تذرفان من حبّها وعاد إلى الطّريقة التي كان عليها من النّسك والعبادة. وكان يمرّ في بعض الأيّام ببابها فيرسل إليها بالسّلام فيقال له: ادخل فيأبى. وقال فيها أشعاراً كثيرةً، وغنّته بها. فمنها:

على سلاّمة القلب السّلام … تحية من زيارته لمام
أحبّ لقاءها، وألوم نفسي، … كأنّ لقاءها شيءٌ حرام
إذا ما حنّ مزهرها إليها … وحنّت نحوه، أذنُ الكرام
فمدّوا نحوها الأعناق حتّى … كأنّهم وما ناموا نيام

ابن الجوزي: أخبار النساء

ومما يُروى من أخبار عبد الرحمن بن أبي عمّار أنه دخل على نخّاس يعرض مجموعة من الجواري يجدن الغناء؛ فعلق واحدة منهن، فشُهر بذكرها حتى مشى إليه عدد من كبار التابعين في مكة مثل عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، فكان جوابه أن قال:

يلومني فيك أقوام أجالسهم … فما أبالي أطار الّلوم أم وقعا

كتب العلامة الفقيه الأصولي ابن حزم الأندلسي كتابه
كتب العلامة الفقيه الأصولي ابن حزم الأندلسي كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف" مقسّما إياه ثلاثين فصلاً تناول فيها علامات الحب ودرجاته وبعض أشعاره
 

فانتهى خبره إلى عبد الله ابن الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب، وكان مشهورا بشدة الجود والكرم، فلم يكن له هم غير مساعدة ابن عمار، فحج فبعث إلى سيد الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيّمة جواريه أن تزيّنها وتحلّيها ففعلت؛ وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار زارنا؟

فأخبر الشيخ، فأتاه مسلّما. فلما أراد أن ينهض استجلسه، ثم قال: ما فعل حبّ فلانة؟ قال: في اللحم والدم والمخ والعصب. قال: أتعرفها لو رأيتها؟ قال: لو أدخلت الجنة لم أنكرها. فأمر بها عبد الله أن تخرج إليه، وقال له: إنما اشتريتها لك، والله ما دنوت منها، فشأنك بها مباركا لك فيها. فلما ولى قال: يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها. قال: فبكى عبد الرحمن فرحا وقال: يأهل البيت، لقد خصّكم الله بشرف ما خصّ به أحدا قبلكم من صلب آدم، فتهنئكم هذه النعمة، وبورك لكم فيها. (ابن عبد ربه: العقد الفريد).

وقد كتب العلامة الفقيه الأصولي ابن حزم الأندلسي كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف" مقسّما إياه ثلاثين فصلاً تناول فيها علامات الحب ودرجاته وبعض أشعاره، وما انتابه هو شخصيا في هذه التجربة التي مر بها، وقد اهتم كثير من الباحثين الغربيين بهذا الكتاب لأنه يعد المصدر العربي والأندلسي الأبرز الذي يتناول هذه الظاهرة بشيء من القرب والقص والذكريات التي دونها وعاينها ابن حزم الفقيه في كتابه هذا قبل مئات السنين من بروز ظاهرة الحب في الأدب الفرنسي والغربي عامة في عصر الأنوار.

بدأ ابن حزم كتابه بنفي حرمة "الحب" بقوله: "الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد، دقّت معانيه لجلالتها عن أن تُوصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل".

يكثر بين رجال الفقه والقضاء بتاريخنا من وقع بالحب واشتهر به، ومن تناوله وأفاض بذكره وأسراره وتفاصيله ومعانيه ودقائقه، وهم بغالبهم لا يرونه إلا أمر من أمور الفطرة التي جبلت النفس عليها فلا تملك لها ضرا ولا نفعا!
يكثر بين رجال الفقه والقضاء بتاريخنا من وقع بالحب واشتهر به، ومن تناوله وأفاض بذكره وأسراره وتفاصيله ومعانيه ودقائقه، وهم بغالبهم لا يرونه إلا أمر من أمور الفطرة التي جبلت النفس عليها فلا تملك لها ضرا ولا نفعا!
 

وقد ورد سؤال إلى الفقيه أبي بكر بن داود الأصفهاني البغدادي يستفتيه عن الهوى والحب، وكان أعلم زمانه بالمذهب الظاهري، بما نصّه:

يا ابنَ داودَ، يا فَقيهَ العِرَاقِ! … أفتِنَا في قَواتِلِ الأحداقِ!
هَلْ عَلَيها القِصَاصُ في القَتلِ يوْماً، … أمْ حَلالٌ لَهَا دَمُ العُشّاقِ؟

فأجابه ابن داود:

عِندي جَوَابُ مَسائِلِ العُشّاقِ، … اسمَعْهُ مِنْ قَلَقِ الحَشَا مُشتَاقِ
لمّا سَألتَ عنِ الهَوَى أهلَ الهَوَى، … أجرَيتَ دَمعاً لَمْ يكُنْ بالرّاقي
أخطأتَ في نَفسِ السؤالِ، وَإن تُصِبْ … تكُ في الهَوَى شَفَقَاً من الأشفاقِ
لَوْ أنّ مَعشُوقاً يُعّذِّبُ عَاشِقاً … كانَ المُعَذَّبُ أنْعَمَ العُشّاقِ
.
أبو محمد البغدادي: مصارع العشاق

أما أشهر من وصف العشق وعرّفه فهو ابن الفارض الذي يقول:

هو الحُب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل … فما اختاره مُضنىً به وله عقل
وعِش خاليا فالحُب أوله عَنا … وأوسطه سُقم وآخره قتلُ
!

وهكذا يكثر بين رجال الفقه والقضاء في تاريخنا من وقع في الحب واشتهر به، ومن تناوله وأفاض في ذكره وأسراره وتفاصيله ومعانيه ودقائقه، وهم في غالبهم لا يرونه إلا أمر من أمور الفطرة التي جبلت النفس عليها فلا تملك لها ضرا ولا نفعا!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.