شعار قسم مدونات

عسكر مصر وعقدة الثانوية العامة

مدونات - مصر الجيش مجند مجندين تجنيد عسكر عسكري مصري

لازلت أذكر ذلك اليوم الذي مر عليه ما يقرب من عشر سنوات، عندما كنت أقضي الخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف الجيش المصري، كضابط احتياط، والذي جاءني فيه زميل من الضباط العاملين، حديث التخرج في الكلية الحربية، ليشكو لي بصفتي جامعي من قصة حب ملتهبة من طرفه فقط تجاه فتاة في الجامعة الأمريكية، ولكنه كان يخشى كثيرا من ذلك الحب الذي رآه من وجهة نظره غير متكافئ، رغم أنه ضابط وابن ضابط أيضا خرج والده من الجيش برتبة لواء ليحتل منصب مدني مرموق في إحدى محافظات القناة.
 
ومما لاشك فيه أن الضابط اليوم بصورة أو بأخرى هو سيد المجتمع المصري بلا منازع ماديا ومعنويا أيضا، ولكن لا تزال في الحلق غُصة، تخص الثانوية العامة تحديدا، التي تعد آخر محطات التعليم المدني بالنسبة له، ولكل العسكر أيضا، والتي تعبر صراحة أو ضمنا عن عقدة ثقافية وتكوينية في المجتمع العسكري ككل تلقي بظلالها الكارثية على المجتمع المدني العام، حتى أنه عبر لي عن ذلك المعنى نصا بقوله: يا قائد أنا ثانوية عامة، أنت نسيت ولا ايه؟
 
وبعد سنوات من تلك الواقعة التي قد يراها البعض طريفة أو حتى تافهة، إلا أنها على غير ذلك في الحقيقة بحكم أن ذوات تلك العقدة التكوينية يحكمون المجتمع المصري ويقودون بصورة أو بأخرى المجتمع العربي أيضا،  ابتليت بالعمل في أحد مكاتب المحامين من ذوي الخلفية العسكرية، التي بقيت معه حتى بعد خروجه على المعاش برتبة عميد وحتى بعد حصوله على ليسانس الحقوق بعد الخروج من الخدمة، فعندما قرر افتتاح مكتب للمحاماة كتب على لافتته، العميد المحامي، لاعتماده على تلك الرتبة في جذب الموكلين تجاه مكتبه الجديد، حتى ولو لم يكن لديه الملكة القانونية التي تمكنه من الممارسة الفعلية لهذه المهنة المعقدة، وقد لاحظت من خلال العمل معه ولمدة وجيزة تجلي تلك العقدة من حين لآخر وهو في حالة إصرار على تذكيري بأنه أيضا حاصل على تأهيل جامعي، ولكن في كل مرة كانت الخلفية العسكرية تغلب على تكوينه وإن حاول التطبع بغير ذلك.

 

المجتمع العسكري المصري هو المتحكم في مصر منذ عقود، ويفرض عليه نطاق عقولهم الضيقة التي لا تراه إلا ككتيبة من الكتائب أو ثكنة من الثكنات (رويترز)
المجتمع العسكري المصري هو المتحكم في مصر منذ عقود، ويفرض عليه نطاق عقولهم الضيقة التي لا تراه إلا ككتيبة من الكتائب أو ثكنة من الثكنات (رويترز)

 
ولم تسلم الشرطة المصرية من ذات العقدة الثقافية التي تخص الثانوية العامة، وإن كانت بصورة أخرى تخص المجموع الكلي في الحصول عليها، أو ما يعبر عنها شعبيا بالخمسين في المائة، حيث أن كلية الشرطة كنظيرتها الحربية لا تهتم كثيرا بمجموع الثانوية العامة كاهتمامها بأمور تخص المركز الاجتماعي والمالي للمتقدم، ومدى نقاء عرقه من تلك الأيدولوجيات الرافضة لسلطة المجتمع الجديد، أو المضادة لحالة اللاهوية التي تعيشها مصر من قيام حكم العسكر في عام 1952، فضلا عن العنصر الأهم والذي يخص حصة أبناء الضباط من وراثة وظائف آبائهم، وإن كان ضباط الشرطة أوفر حظا من ضباط الجيش في هذا الجانب، لأنهم بجانب حصولهم على بكالوريوس العلوم الشرطية يحصلون على ليسانس الحقوق، وهذا ما يجعلهم يتسربون منها إلى السلك القضائي ويضمن لهم بعد التقاعد العمل في المحاماة.
 

نجد العقدة التكوينية تتجلى على المستوى المدني، ويلاحظها من لديه قدر ما من الوعي والاهتمام بما عليه الوضع الحالي الذي يتحكم به شرذمة من المتخلفين، وهذا ما يظهر في بعض التصريحات الطريفة

ولكن تبقى الثانوية العامة عقدتهم الثقافية الكبيرة في كل الأحوال، التي تظهر أكثر لدى رجال الشرطة لاحتكاكهم المباشر بحكم طبيعة عملهم بالمجتمع المدني، حتى ظهرت مجموعة من النكات المصرية الخالصة التي تعبر عن تدني المستوى الثقافي لدى رجال الشرطة للدرجة التي قيل في إحدى النكات أن أحدهم قبض على شاب واتهمه بتعلم تصنيع القنبلة النووية وقدم للنيابة حرزا يضم كتاب اسمه،  الأربعين النووية!

 
وما سبق ذكره يعد تمهيدا للحديث عن عقدة حقيقية تخص المجتمع العسكري المصري من أدناه إلى أعلاه، وتلقي بظلالها وآثارها الكارثية على المجتمع المصري كله بحكم أن هؤلاء المعقدين ثقافيا هم من يحكمون مصر منذ عقود، ويفرضون على المجتمع المصري نطاق عقولهم الضيقة والأحادية التي لا تراه إلا ككتيبة من الكتائب أو ثكنة من الثكنات.
 
ومن ثم تتبعها وتتبع مصدرها التاريخي منذ أن قام محمد علي باشا، بتجنيد المصريين الزاميا في جيشه الحديث الذي أراد له أن يكون سيف مصر الحديثة ودرعها، ولا يدرك واقعية وحقيقة تلك العقدة، إلا من خدم في صفوف الجيش المصري كجامعي سواء إن كان جنديا عاديا أو ضابط احتياط، حتى أن الضباط الأكاديميين أو المتخصصين، كالأطباء وضباط المالية والقضاء العسكري، وهم في حكم العاملين سواء بسواء، لم يسلموا من آثار تلك العقدة بسبب أن انضمامهم إلى صفوف الجيش كان بعد تأهيلهم الجامعي.
 
وتلك العقدة التكوينية نجدها تتجلى بوضوح على المستوى المدني، ويلاحظها من لديه قدر ما من الوعي والاهتمام بما عليه الوضع الحالي في مصر التي يملك أمرها شرذمة من المتخلفين ثقافيا وعلميا، وهذا ما وجدناه في بعض تصريحات طريفة ومثيرة للشفقة خرجت من فم لواء سابق كوفئ بعد خروجه من الخدمة بتولي منصب محافظ، وهو الذي حكى على الهواء عن بطولاته السابقة في القضاء على البراغيث التي يحتاج الصراع معها إلى العلم والفطنة والحنكة التي توافرت في سيادته وجعلته إضافة إلى ذلك يقترح بضرورة تصدير الكلاب إلى الخارج المصري للعمل على تنمية الاقتصاد المصري، وفوق ذلك فهو الذي فسر المقولة التاريخية التي تسمى مصر بالمحروسة وذلك لأن الرياح فيها شمالية غربية فلو فكر العدو بضربها بالكيماوي مثلا لارتد عليه في الحال، وآخر يقبع على رأس المتحف الحربي المصري الذي يؤرخ للتاريخ العسكري المصري الحديث، يقول بجهل فاضح أن معركة حطين الشهيرة انتصر فيها رمسيس الثاني ضد الحيثيين، وأن عين جالوت الشهيرة أيضا انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين واسترد بها بيت المقدس من أيديهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.