شعار قسم مدونات

أعيدوا للمعلم قدسيَّته

blogs - معلم
لم يكن الضرب هو السبب الرئيس لتخلف الشعوب العربية في يوم من الأيام، ولم يكن حتى فرعًا من فروع الأسباب التي أدت إلى تخلف العرب، نعم الغرب أفضل منا، ولا يتبعون الضرب في تربية أبنائهم أو تلاميذهم، لكن ليس هذا هو سبب تقدمهم. هي طريقة أخرى للتربية ليس إلا، وما تضيفه إلى شخصية الطفل هو أن تجعل مبدأ الوقاحة لديه شيئًا مسموحًا باعتقاده، حتى على مربيه، فليس لديه خطوطٌ حمراء في التطاول على من يربيه أو من يعلمه، وليس بالغريب أبدًا، أن نرى طالبًا غربيًّا يصف معلمه بالغبي مثلًا؛ لأنه رأى ذلك فيه فأراد أن يعبر عمَّا يجول في خاطره، وليس بالغريب أن نرى طفلًا يصف والده بالكاذب أو أن يشتمه؛ لأن والده لم يعطه ما وعده به.
عندما نذكر استخدام الضرب في التربية فذلك لا يعني أن يكون الابن حمارًا فيضرب كلما تعكر مزاج المربي، لكن هناك مراحل للتربية إذا استنفدها ذلك المربي لجأ إلى ترهيب من يربيه بالضرب كي يرد نفسه عن خطأ تهواه أو تحضه على صواب تأباه.

لكن ما أقحم في مدارسنا في الوطن العربي من قوانين تعسفية، جاءت تطمس شخصية المعلم، وفي ما بعد تتغلغل في شؤون الأسرة فتطمس شخصية الأب المربي، له دور كبير في ازدياد تخلفنا لا تقدمنا كما يظن الواضعون لمثل هذه القوانين؛ فإن نفسية الطالب التي نشأت وترعرعت على التمرد في الحي والمحيط، التي تجعله يفعل ما يراه مناسبًا لإثبات شخصيته كيفما كان وبأي طريقة كانت، عندما يعلم أن ذلك الذي له سلطة عليه في الحجرة الصفيَّة (المعلم) لا يستطيع أن يرفع صوته فيه إن أخطأ، ويعاقب إذا عاقبه.

لا تختلف أدمغة أبنائنا عن أدمغة أبناء الغرب، لكن ما ينطبق عليهم لا ينطبق علينا، فما نحتاجه قبل أن نطبق قوانينهم علينا أن نهيِّئ نفوس أبنائنا لتربية جديدة أساسها الاحترام، لا التمرُّد

سيكون ذلك مدعاة لازدياد التمرد لدى الطالب، ويصبح تعدي الطلاب على معلميهم بازدياد، فنظرة المعلم للطالب ليست كنظرة الطالب للمعلم؛ لأن صاحب العقل يرى في الطالب ابنًا يحتاج الرعاية والعناية فيقسو عليه إذا أخطأ ليعدل عن خطئه الذي اقترفه ويتعلم ألا يعود لما فعل، أما نظرة الطالب للمعلم فهي نظرة تمرديَّة، نافرة، ترى في ذلك المعلم إنسانًا يقيِّد له حريته، وترى القسوة كرهًا، وترى التعليم جهلًا، وترى الحياة عبثًا، فمن سيوجه ذلك التائه الغرير إلى جادة الصواب إذا أصبح يرى بمعلمه الذي يقوده ضعفًا؟

كيف سيكون المعلم في وطننا العربي ناجحًا إذا كان يشغل تفكيره كيف سيدفع إيجار شقته الذي يفوق نصف راتبه، وكيف سيوائم بين ما تبقى من راتبه ومصاريفه الشهرية، وكيف سيعطي درسه في صفه وهناك من أساء أدبه عليه بعدما أمن العقوبة؟ لا يزال المعلم هو الحلقة الأضعف في العملية التعليمية، وننتظر التقدم في حياتنا!

ما يجب علينا إذا أردنا أن نرتقي بأنفسنا في العلم فعلًا، أن نجعل المعلم الركيزة الأساسية والحلقة الأقوى في العملية التعليمية قولًا وفعلًا، أن نمنح المعلم قدسية ونفوذًا لا ينبغيان لغيره، فيكون القدوة القوية التي يستمد منها الطالب قوته، ويسعى ليقطف من بساتينه ثمار علمه، لا أن يكون المعلم هو المُهان والضعيف والمعتدى عليه، والتائه الحائر بين ضغط العمل وقلة الرواتب وصعوبة الحياة ووقاحة بعض الطلبة بعد تجريد المعلم من كل أسلحة الضبط، ثم يطلبون منه نتاجًا كنتاج الغرب!

بالطبع لا تختلف أدمغة أبنائنا عن أدمغة أبناء الغرب، لكن ما ينطبق عليهم لا ينطبق علينا، فما نحتاجه قبل أن نطبق قوانينهم علينا أن نهيِّئ نفوس أبنائنا لتربية جديدة أساسها الاحترام، لا التمرُّد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.