شعار قسم مدونات

مدونات بلا حدود

blogs - write

قصتي مع محاربة البياض على الأوراق والحاسوب انطلقت منذ ثلاثة عقود، شغف بترويض الفكر وتحريك المسارات الذهنية على ركح العديد من القضايا والمواضيع التي كتبتني ولم أكتبها، لكن سرعان ما تراجعت كما ونوعا عن التدوين واكتفيت فقط بالقراءة والاستطلاع، ما السبب؟ ماذا وقع لك أيها القلم لتحتشم عن الخروج للعلن؟ ما ذا تحول في حياتي لتتقاعس الكلمات عن البوح المشروع؟

بصدق لم أفهم، ترددت كثيرا في الكتابة، لكن "مدونات الجزيرة" خلخلت السكون، وراكمت أمواجها عقلي وفكري ووجداني من خلال هذه المساحة الحرة للتعبير، استطلع مُدونيها من كل حَدْب وصَوب، ومدونتي تنتظرني أن أكتب.. سأكتب.. قررت أن أكتب.. ماذا سأكتب؟

كلما قرأت إحدى مدوناتكم تتأجج في خاطري دوافع الكتابة، إحساس بالمخاض قبل ولادة الكلمة، وشعور بمقاومة البياض "الدامس"، مهما كانت الظروف.. قررت أن أكتب هذه المرة، وسأحنث يميني المقسم بالحيلولة دون جرة قلم.

الكتابة بمدوناتكم، تجربة إنسانية فريدة، تفتح الآفاق للتثاقف والمعرفة، والخروج من عزلة الفكر وقهر العصبية، مساحة مفتوحة لمسارات متعددة، وفرصة حقيقية لممارسة حق الكتابة.

سأكتب فعلا وأعبر عن دواخلي بلغة تحترم المتلقي وتسمو به في عوالم الكلمة المعبرة والمتزنة بميزان الإنسانية المتعالية عن حدود العقيدة أو الجنس واللون.

لماذا لم أكتب، وبإمكاني فعل الكتابة؟ هل أنا مسجون في جزيرة لا تضربها الأعاصير والعواصف؟ أم أن ماءها أصبح غورا ولم يعد صالحا للتكرير والتصفية؟ هل تجمدت بالصقيع ولم تعد الحياة تدب من جديد؟

أظن بأن المسألة أبعد من كل هذه المبررات الواهية في نظري، لأن عوامل الكبح والدمار والقيود خير طاقة لتحريك القلم والكتابة. بل اللحظة المولدة لها والمنتجة لموضوعاتها.

الكتابة قدرة على التعبير عن الأفكار، ورسم جميل للرموز والملامح، وتطابق محكم مع قواعد اللغة المعروفة، إنه بناء معقد لكلمات واضحة للقراء، ونشاط معرفي يعتمد على مهارات فنية وأدبية، وقدرته على التنسيق بين عمليات البناء والتأسيس.

فهل تسمح لي قواعد النحو والصرف من أجل ترتيب كلماتي حسب سياق المعنى المطلوب، أم سرعان ما سيؤول المعنى لسياق آخر خارج إرادتي إن لم أحترز في ضبط الكلمات.

قد تكون جملي صحيحة لكنها لا تحمل أي معنى منطقي، وقد تكون المعاني جلية لكنها لا تتناسب مع جملي المكتوبة؟

إذن هل أكتب كما قررت أن أكتب، أم أحجم وأَتراكن للوراء وأبحث عن مبررات غير واقعية تمنعني عن الكتابة..؟

سأكتب فعلا وأعبر عن دواخلي بلغة تحترم المتلقي وتسمو به في عوالم الكلمة المعبرة والمتزنة بميزان الإنسانية المتعالية عن حدود العقيدة أو الجنس واللون، سأكتب مخاطبا وجداني المحترق بمآسينا، سأدون لأعبر عن الوجود، فعلا أنا أكتب إذن أنا موجود، ما قيمة فكر لم يكتب ومعرفة لم تدون وتجربة لم تتقاسم فعلها مع الآخرين.

حيرتني فكرة الكتابة، وتاه القلم في اللغة والأسلوب لتحريرها من قيد هذا الزمن، لكن "مدونات الجزيرة" أخرجتني من دوامة الجزر المبلقنة للتعبير، هي لحظة ولادة متجددة نتمنى أن تستمر في مدونات بلا حدود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.