شعار قسم مدونات

لو كان ميسي بائعاً للتسالي في أحد شوارع البرازيل

blogs- بائع
ويحاكيه أيضاً ماذا لو كان مايكل جوردان أسطورة كرة السلة الشهير مُعداً للوجبات السريعة في إحدى مطاعم ماكدونالدز في المدينة الحالمة شيكاغو؟! قبل ما يقرب من عقدين من الزمان، وحينما كان جوردان لاعباً محترفاً آنذاك، وإعجاباً به كان يهتز على إيقاع كراته وقفزاته الأخاذة كل شيكاغو، ليست الجماهير فحسب، بل حتى الفنادق والمطاعم والمقاهي والمواصلات والخدمات العامة في حركة تجارية متناغمة، ما كانت لتتم لولا هذا السوبر..
 

شيكاغو حينها في غاية الامتنان والتقدير لهذا الفرد من أبنائها، والذي أغرى الزمان بأن يحتضنه حتى الآن، فهو أغنى رياضي في التاريخ، فشعار قفزته على الألبسة والمعدات والأدوات الرياضية هي علامته التجارية، وتقتات على فرص العمل منها أعداد كبيرة من العاملين حول العالم، يتوزعون على جميع فئات سُلم الأجور، ابتداء من الرواتب الضخمة إلى المتوسطة فما دون. هو لم يكن آخرهم، إنه فرد في عرض قائمة طويلة من أسماء لامعة تتكرر وإلى اليوم، وأقل ما يقال في حقهم أنهم صنعوا الفرق وقادو مجتمعاتهم إلى النجاح.
 

إعادة تصنيع مفهوم الوطنية ليصبح سوطا مهترئا، من كثرة ما يَقصُر دون الحقيقة، أو يُشْهَر به في وجه كل مُخالف أو خالف؛ بات وهما عاقبه الزمن بالابتذال وعاقبته الأمة بالتجاوز.

هذا المثال الملهم يسبق فهمه قوله، وهو أن رأس المال البشري هو مصدر العطاء الحقيقي، وهم أولاء هم البشر أنفسهم في أي مكان من العالم، يتألقون حينما تسهم بيئاتهم في استثمار مواهبهم وملكاتهم. هذا المثال يعرض نموذجا سارا، ويقود في نفس الوقت إلى حقيقة مؤلمة، مفادها أن تلك النسب الكبيرة للعاطلين عن العمل في العالم العربي، إنما هي تضييع لاستحقاق العمل على رؤوس الأشهاد، وهدرٌ مُنظمٌ لرأس المال البشري، وخاصة إذا كان هذا العدد الكبير من العاطلين هم من الشباب المؤهَّلين، والذين يعيشون حياتهم -على خلاف توقعاتهم- نتيجة الصراعات بمفهومها الشامل، أو عدم القدرة على استيعابهم في منظومة العمل، أو ثالثة الأثافي وهي أخطرها والتي هي الفساد أو هي جميعًا.
 

إن الاهتمام بهذا الاستحقاق في العالم العربي، وفي هذا الزمان على وجه الخصوص؛ هو أشبه ما يكون بحائط صد بين ندين هما الوجود والعدم. فعدم الامتنان هو شعور متبادل بين العاطلين عن العمل وحكوماتهم في الوطن العربي، ولهذه المشاعر مخاطرها الحقيقية على الوجود في أرض ملتهبة، يُوّزع فيها الولاء الحقيقي على من يدفع أكثر، وإن غُطي بأقنعة أخرى كمسميات الطائفيّة أو القومية أو المناطقية أو غيرها. وبذلك يكون أول مفهوم يخرج بإصابة من هذا الوضع المتأزم هو مفهوم الوطنية، هذا المفهوم المحترم والذي يبني علاقة تبادلية بين الإنسان ومحيطه، من قال إن المواطَنة حب من طرف واحد؟
 

إن إعادة تصنيع مفهوم الوطنية ليصبح سوطا مهترئا، من كثرة ما يَقصُر دون الحقيقة، أو يُشْهَر به في وجه كل مُخالف أو خالف؛ بات وهما عاقبه الزمن بالابتذال وعاقبته الأمة بالتجاوز. إن قصر النظر أو العجز عن معالجة مشكلة البطالة في العالم العربي، أو افتعال الأزمات التي تفاقم المشكلات المتعلقة بالعمل والإنتاج، مما يهدد بازدياد نسب العاطلين، ويَصفُ أعدادا أخرى على قوائم انتظار الالتحاق بهم؛ يجعل من البطالة مصدر قلق حقيقيا، ومؤشرا لتفاقم أزمات المنطقة ونكباتها، ويُلح على التفكير في حلول جذرية لهذه المشكلة، وجعلها على سلم أولويات المعالجة، وإيقاف الأسباب واحتواء الشباب بخطط ومشروعات وطنية حقيقية، قبل أن ينفجر جياع البلدان الغنية بمواردها في أي لحظة، ولن يقف في وجههم أي أحد.
 

إن طوق النجاة الحقيقي لهذا الأزمة، وبما تمليه ثقافة المنطقة العربية وخصوصيتها، يقوم على ثلاث منقذات:
الأولى: الشباب أنفسهم ووعيهم ودافعيتهم نحو التجّمع هو أقصر طريق للتمكين، فأكثرهم مؤهلون، ويلزمهم حرف البوصلة باتجاه التعريف بقضيتهم، وأنهم رأس مال يجب أن يوقف هدره بتوفير فرص عيش كريمة لهم، إذا هم أجدر من يجعل من هذه الإعاقة انطلاقة. من يُفهم صنّاع القرار أن إيراد رأس المال البشري هو أهم إيراد من أي مصدر آخر أيّا كان إلا هم. من يخبرهم أن من يعجز عن حل مشكلاتهم وتخفيف معاناتهم عليه أن يترجل باختياره إلا هم.
 

المنقذة الثانية: الأسرة: فهي المكون الأوحد للمجتمع والمتجذر في ثقافة العرب، هي أحد مفاخر العرب الحقيقية بين الأمم، هي الالتزام المشرف تجاه كل فرد من أفرادها ابتداء من مرحلة ما قبل النشوء والتكوين، ومرورا بجميع مراحل الحياة حتى آخر يوم فيها، بل لا ينقطع حتى بعد ذلك، من كانت له مبادرة إصلاحية أو كلمة ثناء حقيقية فليجعلها في دعم الأسرة والإشادة بها، وبترابطها والتحريض على الوقوف في وجه أي سبب يؤدي إلى تفككها أو إضعاف دورها.

تصاب بالذهول لدرجة الصدمة، حين ترى بعض الأنظمة العربية تمعن في محاربة الجمعيات الخيرية وطمس معالم هويتها وإلغائها من الوجود، فكأنما صُنعت على عين إبليس.

ثالثة المنجيات هي تخفيف اختناق مشكلة البطالة في الوطن العربي، هي الجمعيات الخيرية، إن أزمة هذا المنقذة اليوم باتت تحتاج إلى إنقاذ، وإنقاذها يكون بالإيمان الراسخ بأنها مكّون لا ينفك عن موروثهم وهويتهم، وأن التاريخ ألهمهم أنه من أخص شيمهم الكرم والشجاعة، فأقبح قول قالته العرب كان في سياق ذم التخلي عنه والتنكر له: "قالو لأُمِهِمُ بُولي على النارِ".

حقاً لا ينقضي عجبك من ذلك الامتنان الكبير الذي أبدته وتبديه الدول المتقدمة للباذلين من أبنائها على البرامج والمناشط والأشخاص، دون قيد أو شرط، ويقابلها أبناؤها بنفس الاستجابة. أما في ماضي العرب التليد فهي قصة أخرى لا يسايرها أحد، فقد كان العطاء حتى زمن قريب هو الحاضر الذي لا يغيب، فبه تسبل السبل وتبنى المدارس والمساجد والطرق وتشق الترع، وبه يُكفل اليتيم وينفق على الأرملة والمسكين وابن السبيل ويزود منه الحاج، وبه يجهز الغازي ويخلف منه في أهله بخير.
 

أما اليوم فقد عضله الزمان، فتصاب بالذهول لدرجة الصدمة، حين ترى بعض الأنظمة العربية تمعن في محاربة الجمعيات الخيرية وطمس معالم هويتها وإلغائها من الوجود، فكأنما صُنعت على عين إبليس، فلا هي بماضي العرب اهتدت ولا من حاضر الغرب استقت. والأمل معقود على المخلصين من القادة والمفكرين والعلماء والمثقفين والكتّاب وأصحاب الرأي والتأثير؛ أن يقفوا حائط صد في هذه المرحلة الحرجة من عُمْر الأمة دون خذلان هذا المنقذ وإسلامه لقيد مُبغضيه تحت أي ذريعة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.