شعار قسم مدونات

أنا كالغجر.. موطني القافلة ووجهتي الطريق

blogs - mali
كتبت أول يومياتي أو قل يا صاحبي قصاصاتي عام 2006، وكان نصيب غرناطة منها حظا وافرا. لم أنشر أيا منها منذ ذلك العام، فمن سيبالي بثرثرة صحفي مغمور يجول أصقاع الدنيا، يقتحم المدن، يطوف حواريها، وينقب في زواياها، يتلمس حجارتها، يلتحم بأهلها، يقف على التاريخ، ويدون مشاهداته. هل أكتب مذكراتي؟ بالطبع لا، فسيرتي غير حافلة إلا بالكثير من الخيبات والقليل مما ينفع الناس.
 

وعندما أقرر الكتابة، أقضي ساعات وأيام، ثم لا أجد أمامي سوى بضع سطور جاهزة بكل فخر للحذف. أشبه برجل يحرث الأرض، وينثر البذار علّ المطر يسقيها فيخرج منها ما يعجب الناس. يطول الانتظار فلا ينحل غيم في السماء ولا ينزل المطر.

الكتابة كقدّ الصخر من الجبل، ثم نحته على هيئة أجمل ما تكون الصبية الحسناء التي تستبد بجمالها فليس يرى في غيرها شيء جميل.

أجدبت الروح ولم يخرج من شقوقها كما كنت أشتهي دالية العنب كما في بيت جدي في قرية "دير الغصون" بفلسطين، ولا البرتقال الذي كنت أختفي تحت شجره في قرية "العواشق" في العراق وتتشابك أغصانه حتى تحجب عني السماء، ولا ثمر "الكنار" الذي كنت أسرقه في جوف الصيف من شجرة في حوش جارنا بالكويت وأهرب حافيا، ولا التين من الشجرة التي زرعها والدي خلف بيتنا في عمّان، وكانت تتجاوز سور الدار وتطعم الجيران. يا للكآبة.. أغبط الكتاب الذين يكتبون عن المدن حتى دون أن يروها.

يتبرع خيالهم الجامع في سرد الحكايات وذكر التفاصيل وأنا لا أستطيع حتى وصف جدول ماء ينحدر من الحمراء صوب "البيازين"، يتلاقى مساره مع خيوط الشمس، يحثان بعضهما على المسير، ينتظرهما في نهاية المطاف نهر "حدّرة". وهذا الأخير قادم من حي "سكرومونتي" محمل بصيحات الغجر وموسيقى الفلامينكو.

قررت إذن أن أحتفظ بما أكتب لنفسي، ومن يدري لعلي أستدعي يوما ما شيئا من هذه الذكريات. وعندما كتبت في يومياتي "غرناطة.. رائحة الدموع والياسمين"، كان بي فيض من شجن لم أحسن قوله شعرا ولا نثرا. قال لي باولو كويلو مؤلف "الخيميائي" يوما إن الكتابة كالولادة العسيرة، تحتمل أشهرا طويلة.
 

لقد احتملت الأحرف والأشواق في أحشائي عشرة أعوام كي أستجمع شجاعتي وأكتب عن غرناطة. بددت عقدا من عمري وأربع عشرة رحلة إلى المدينة وحشد من الذكريات حتى استطعت أن أُخرج أول قصاصة للناس. وفي كل مرة أكتب أقول إنها ستكون الأخيرة. فالكتابة كقدّ الصخر من الجبل، ثم نحته على هيئة أجمل ما تكون الصبية الحسناء التي تستبد بجمالها فليس يرى في غيرها شيء جميل.
 

لم يبق في جعبتي شيء، ولم تسعفني الأمكنة ولا الناس ولا كومة الصور التي راكمتها طيلة أعوام. ورطة أليس كذلك؟ قطعت على نفسي وعدا بأن أكتب بين الحين والآخر عن المدن وروائحها، عن الناس الذين اقتحمت دون استئذان سكينتهم، عن الغجر والصعاليك، عن الذكريات والحنين، عن المساجد والكنائس، عن الشوارع والمقاهي، عن الآثار وبضاعة التاريخ، عن المتاحف ومتاجر الأنتيكة.

وإذا كان شيطاني اللعين لا ينفك يصحبني في شر الهوى ليل نهار يوسوس في عقلي ويحثه على صنع الكآبة والنكد، فلماذا لا يفعل شيئا عند الكتابة ويخرس كأنه ملاك صغير خانته لغته بالكلام فأومأ بالإشارة؟!

العلة في السكون، فالكتابة بحاجة إلى السفر، إلى اللحاق بالقافلة، والوجهة حيث يهب الهواء محمل بروائح المدن والعابرين فيها.. فأنا كالغجر لا مستقر.. موطني القافلة ووجهتي الطريق.
 _______________________________________________________
 

• التقطت الصورة (صورة غلاف التدوينة) عام 2005 في رحلتي إلى تمبكتو شمال مالي. كانت هذه آخر الطريق قبل يفارقنا المروج والجبال، وتسلمنا إلى طريق الصحراء وقوافل الطوارق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.