شعار قسم مدونات

سر الكرسي الألماني

blogs - سجن مظلم
وصلتني قصص كثيرة من أصدقائي الذين تم اعتقالهم من قبل النظام السوري حول أداة للتعذيب اسمها "الكرسي الألماني"، وكنت في حيرة من أمري يا ترى لماذا يسمى بهذا الاسم وما علاقة ألمانية الديمقراطية التي تخلو من معتقلات شبيهة للمعتقلات السورية بهذا الكرسي؟؟
الكرسي الألماني هو مصنوع من المعدن له أجزاء قابلة للحركة يربط بها الضحية من اليدين والقدمين، يقوم السجان بثني مسند الكرسي إلى الخلف ليخلق تمددا كبير في العمود الفقري مع ضغط شديد الألم على عنق الضحية.

بدأت أحصل على إجابات عندما قمت بقراءة رواية الروائي الألماني السوري "رفيق الشامي" وهي "الجانب المظلم من الحب" وهي رواية موسوعية تحدثت عن فترات تاريخية عاشتها دمشق التي كان يسكنها الكاتب قبل أن يهاجر إلى ألمانيا ويستقر بها إلى يومنا هذا.

في هذه الرواية والتي تقع في 1038 صفحة وترجمها إلى العربية "خالد الجبيلي" وصدرت عن دار الجمل للطباعة و النشر، أفرد الكاتب فصلين للحديث عن المعتقلات السورية وذلك أثناء الحديث عن اعتقال بطل الرواية "فريد" في أحد المعتقلات السورية وهو "سجن تدمر" وتحت عنوان "المساعدة الإنمائية" يقول الكاتب "قبل نهاية أيلول وصل ثلاثة ضباط من جهاز أمن الدولة في جمهورية ألمانيا الديموقراطية، رجال شقر يضعون دائماً على عيونهم نظارات شمسية، تساءل السجناء المضطربون عن سبب إحضار الألمان إلى السجن، كمراقبين؟ كخبراء في تعذيب؟".

أدركت سرّ الكرسي الألماني الذي كان شبحاً يقبع داخل معتقلات النظام السوري، وأدركت كم هو مهم الأدب حين يتناول الواقع ويحاول أن يكون وثيقة على ما يجري.

هنا بدأت تتبدى لي ماهية الكرسي الألماني فربطت مباشرة بين هؤلاء الخبراء وبين تسمية آلة التعذيب بالكرسي الألماني، لكن الرواية كعمل أدبي إبداعي لا يُعتدّ بها كوثيقة تاريخية، فلا زالت نفسي توّاقة لمعرفة معلومات أكثر حول الكرسي الألماني وحول صحة المعلومة التي أوردها رفيق الشامي في روايته، حتى وقعت بين يدي رواية الكاتب والصحفي السوري إبراهيم الجبين والتي صدرت في عام 2016 تحت عنوان "عينٌ على الشرق، هايبرثيميسيا 21″، عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهي رواية تأريخية تسير على خط رفيع جداً بين الواقع والخيال وتؤرخ لكثير من شخصيات دمشق الأدبية والفنية والسياسية والعسكرية سواء كانوا دمشقيين أم عاشوا في دمشق ومن ضمن من تحدث عنهم هو "ألويس برونر" وهو ضابط نازي كان يخدم في "الإس إس" الخاص بحراسة الفوهرير.

لكنني بقيت على رأي أن العمل الإبداعي يقارب التاريخ لكنه لا يعتد به كوثيقة إلى أن جاءت صاحبة الجلالة الصحافة بالخبر اليقين، حيث تم نشر أخبار منذ أسبوعين في عدة صحف ومجلات ومواقع إلكترونية تتحدث عن موت آخر نازي في معتقل داخل دمشق بعد أن كان مقرّباً من أجهزة المخابرات السورية وقام بتدريبهم وتم تعيينه كمستشار أمني في الفروع الأمنية، وبما يخص أمور التحقيق مع المعتقلين، هنا تبددت ظنوني وأدركت سرّ الكرسي الألماني الذي كان شبحاً يقبع داخل معتقلات النظام السوري، وبذات الوقت أدركت كم هو مهم الأدب حين يتناول الواقع ويحاول أن يكون وثيقة على ما يجري، وخصوصاً في زمن ينال مقص الرقيب من كل شيء ومتابعتي لبرنامج "خارج النص" على قناة الجزيرة وما يطرحه من حيثيات كتابة بعض الروايات والمذكرات عززت يقيني بهذا الأمر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.