شعار قسم مدونات

واحَسْرَتَاه على حنظلي

blogs -محصول

وقف ذلك المُزارع رث الثياب، قاسي الملامح، على أعتاب بستانه القاحل يتأمل بستان جاره المُثمر، ويحوّل وجهه المحفور بالتجاعيد كل حين بينهما، يقارن بين حالهما في نظرة ألم وحسرة، ثم يحوّل نظره واهتمامه لبستان جاره دون العودة لبستانه. 

أخذ يتأمل جمال أزهاره وحُسنَ تنسيقه، ويتمنى بستانه كمثله، يزرع فيه البرتقال والريحان بدلا من الحنظل خاصته، ثم لاح له أن يسأل جاره عن سِماد بستانه الذي يستخدمه، وكيف يهتم به حتى أصبح بهذا الجمال، وبالفعل أخذ في شراء سماد البرتقال ووضعه للحنظل، آملا أن تحدث المعجزة وتنبت أشجاره برتقالا بدل الحنظل .

هكذا كان يفكر هذا المسكين في تغيير قدره، فبستانه الذى حُرِثَ قبل مَولِده، كان ولازال يُنبت الحنظل، ومهما حاول أن يفعل فلن يجني البرتقال، ولن يقتنع بالفعل حتى تثمر أشجاره حنظلا، فليست المشكلة أنه أراد البرتقال، بل لأنه بَذَر الحنظل ورَغِبَ في البرتقال .

ودارت الأيام وأنبتت أشجاره حنظلها المُقدّر، لكنه كان هزيلا جافًا لما سقاه صاحبه سِمادًا مُغايرًا، وزاد ذلك من حسرة صاحبنا، وأَبَى أن يجنى محصوله امتعاضًا، واكتفى بمراقبة جاره وهو يجني برتقاله الكبير السمين، بعينين تُغبّش رؤيتهما الدموع، هامسًا لنفسه يا ليت لي مثل ما أوتي جاري .

كم من مزارع ترك حنظله يتعفن سعيًا وراء برتقال غيره؟ كم من إنسان حاول تغيير ما يَملُك ففشِل وأفشل؟ كم من وليٍ جار على حق مواليه في تخيُّر ماهيّتهم، وطريقة عيشهم؟

قرر الذهاب لسوق القرية حيث يأتيه كبار التجار في هذا الوقت من السنة لشراء محاصيل الفلاحين، ترك حنظله وذهب لسوقه بلا بضاعة يبتاعُها، ذهب عَلّه يجد في مشاهدته لمراسم السوق عزاءًا لانكساره، وصل فوجد الكثير من الفلاحين يعرضون بضاعتهم، والكثير من عربات التجار أتت تحمل عُمّال النقل، لتعود مُتخَمة بالثمار، أخذ يُراقب حِزم الثمار الضخمة يَفُك وِثاقَها فلاحُوها، ويسارع لهم السماسرة للاتفاق على أنسب الأسعار، تختلط أصواتهم بصيحات الفلاحين لتشكل صخبًا تُعرف به الأسواق، انزوى بعيدًا يَرقُبُ ذلك .

وإذا بصيحة تتخطفه من تِيهِه لترده لواقع السوق، سمع أحد التجار يصيح قائلا "يا ناس.. نريد حنظلا اليوم "، أسرع صاحبنا لصاحب الصوت يسأله " يا أخي! ألا تأخذون كل عام برتقالا ولا تأخذون إلا قليلا من الحنظل؟ " .

ـ الحنظل هو المطلوب هذا العام يا صاح، إن كان معك فوافنا في الحال، نريد أكبر كمية لديك . 
ـ تركت حنظلي يهلك هذا العام، ولم أشأ أن أبذُلَ فيه لتتركوه ككل موسم .
ـ تقول ذلك كأنك لا تعلم أن لكل بِضَاعة طَالِبَها، وما ذنبُه إن كنت فاشلا في بيعه؟، عُد أيها الفلاح التعس لحنظلك، فأدرك منه ما تستطيع، وائتنا به في الحال .

هرول صاحبنا عائدًا لبستانه، يتعثر في ركضه، يأكل الندم فؤاده، وصل البستان آملا أن يُسامحه حنظله ببقائه طيبًا، لكن الوقت لا يُحابي، وجده متعفنًا قد نَخَره السوس، واستعمره الدود .

ـ ابتعد أيها الدود اللعين، اترك حنظلي وشأنه . 
ـ ولماذا نفعل؟ وقد تركته أنت، فلا حياة لأمثالنا لولا أمثالك. 

انتهت قصتنا وصاحبنا لا يدري على أيٍ يبكي، على موسمه الذي ضاع دون تحقيق الربح، أم على حنظله الذي تركه يهلك. 

كم من مزارع ترك حنظله يتعفن سعيًا وراء برتقال غيره؟ 
كم من إنسان حاول تغيير ما يَملُك ففشِل وأفشل؟ 
كم من وليٍ جار على حق مواليه في تخيُّر ماهيّتهم، وطريقة عيشهم؟ 

ربما كانت الطريقة الأسهل والأكثر إراحة لنا أن نقبل حقيقة ما نملك دون طمسها أو محاولة تبديلها، إذا ما اطلعنا على ما هو أفضل منها في نظرنا، الذي قرن الحنظل بالبرتقال قد ظلم الحنظل والبرتقال على السواء، في النهاية سيبقى الحنظل حنظلا والبرتقال برتقالا، حتى وإن لم يكن ذلك مُرضيًا لنا. 

ليس أمام صاحبنا هذا إلا إمعان نظره فيما بين يديه، وعدم الالتفات لغيره، يساعده -بحكم مسئوليته عنه- أن يكون ما هو عليه، لا أن يستخدمه في إشباع نزوة عابرة في نفسه، وأن يكف عن الوقوف جاهمًا أمام برتقال جاره هامسًا (إن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا) بل ينتصب قائمًا، يشُدُ مِئزَرَه، ويَبذُر حنظله هاتفًا (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.