شعار قسم مدونات

شهوة النجاح

blogs - success

النجاح " تلك الكلمة التي تتوقف عليها سعادة بني الإنسان على هذا الكوكب الذي لا أدري، أوصل هذا الكوكب أيضاً إلى النجاح أم لا؟ لذة النجاح تحتل المرتبة الأولى على مستوى لذات الإنسان في الحياة. إن الإنجاب يعطي للإنسان لذة في جانب من جوانب شخصيته، الأبوة أو الأمومة. المال والسلطة يعطيانه لذة في جانب آخر وهو القوة والنفوذ. التعبد يعطيه لذة في جانب آخر وهو صلته بإلهه. ولكن النجاح للإنسان بمثابة الماء الذي يغذي أصل وجوده، وإحساسه بذاته وقيمته.
 

إن كل إنسان لابد من شيء ينجح فيه. قد يستغني الإنسان عن كثير من الأشياء التي تحقق فيه جانبا من جوانب وجوده، ولكنه لا يستغني أبداً عن النجاح في شيء ما، ليحقق أصل وجوده. قد يستغني عن لذة الزوج ولذة الأب ولذة القوة في مقابل ألا يبدو شخصاً فاشلا. إن الإنسان بطبيعته يتعامل بحذر مع الأشياء التي لا يضمن فيها نجاحه، فهو لا يقبل على شيء حتى يفكر أولا في نسب النجاح والفشل.
 

إن ظهور إشارات الفشل في شيء ما تقض مضجعه. فشله في زواجه يقض مضجعه. فشله في تربية ابنه يقض مضجعه. فشله في عمله يقض مضجعه. إنه يحجم عن أمر يتمناه خوفاً من الفشل فيه. فلا قيمة للأبوة إن كان أبا فاشلا. ولا قيمة للزواج إن كان زوجا فاشلا. بل لا قيمة للحياة برمتها إن كان إنسانا فاشلا. إن لسان حاله " خذوا مني كل شيء وأعطوني النجاح "

الإنسان كائن باحث عن النجاح، حتى إن لم يستطع النجاح في سبل الخير والحق سيسعى لتحقيق النجاح في سبل الشر والباطل.

هل يسعى الإنسان للسعادة أم للنجاح؟ لا شك أن كل سعادة نابعة من نجاح. ولا يمكن القول ان النجاح سبيل السعادة. إذ ليس كل نجاح يحقق السعادة. السعادة والنجاح كلاهما متطلب نفسي داخلي، في حين يزيد النجاح عن السعادة أنه متطلب اجتماعي. والإنسان بطبيعته النفسية يميل لتحقيق الحاجات الاجتماعية قبل حاجاته النفسية، بل يحقق حاجاته النفسية من خلال تحقيق وجوده الاجتماعي.

يهتم الإنسان بنظرة المجتمع له قبل اهتمامه بسعادته الذاتية، فهو يريد أن ينجح ليكسب نظرة التقدير من المجتمع، حتى ولو لم يكن سعيداً على المستوى الشخصي.. " النجاح أولا " فمقدار لذة نظرة المجتمع له بتقدير تفوق سعادته الداخلية في ركن من أركان بيته. إنه لأهون عليه الموت قبل أن يبدو في عين أهله ابنا فاشلا، أو في نظر زوجته زوجا فاشلا، أو في نظر أولاده أبا فاشلا، أو في نظر المجتمع مواطناً فاشلا.

تلك التي يمكن أن نسميها " شهوة النجاح " هي التي تدفع الإنسان لمنافسة الناجحين في مجالاتهم، على الرغم انه ليس مجاله. فينافس رجل الدين في التفاف الناس حوله لعلمه وينافس نجوم المجتمع في شهرتهم وثرائهم. تلك الشهوة هي التي تفرز الحاقدين وأعداء النجاح الذين يقبعون في وحل الفشل والتوهان، فينقمون على كل ناجح. تلك الشهوة هي التي تدفع الإنسان للتخلي عن مبادئه والضغط على حقه النفسي كإنسان من أجل النجاح. يتنازل عن كثير من حقوقه، ويضغط بقوة على أعصابه، ويقصر في واجباته من أجل نجاحه.

إن النجاح إن لم يكن في نطاق المبدأ ويصل بصاحبه لدرجة كبيرة من السعادة والاستقرار النفسي فهو نقمة على صاحبه.

الشباب اليوم تحت ضغط العلاقات العاطفية يضطر لدخول تنافسات خارج دائرته، وخارج نطاق شخصيته واهتماماته وفكره لتحقيق نجاح للفوز بالزواج من شاب أو فتاة. فيفقد في ذلك ذاته وتصبح علاقته ضغطا عليه بدلا من أن تكون متنفسا له يخفف عنه وطأة صروف الحياة.

وهذا ما يوقع الانسان فيما يسمى " النجاح المزيف او النجاح القشري " أن تنجح في غير مجالك، أو أن تخسر نفسك وتبيع نفسك من أجل نجاحك. فليذهب إذاً النجاح والناجحين إلى الجحيم. ما قيمة حذاء من أفخم أنواع الجلود على جوارب ممزقة، ما قيمة مقام على قبر من الرخام يحوي عظام بالية.. ما قيمة إنسان ناجح بلا مبادئ، ما قيمة إنسان ناجح يعيش حالة من التعاسة والبحث الدائم عن ذاته وسعادته.
النجاح ليس دائماً غنم، بل أحيانا يتحول إلى نقمة على صاحبه. 
 

النجاح الحقيقي هو أن تنجح أمام نفسك أولاً، ثم أمام أهلك وزوجتك وأولادك، ثم في عملك، ثم أمام المجتمع.. ما قيمة النجاح في العمل وأنت ابن وأب وزوج وإنسان فاشل أمام نفسك وأمام أهلك وزوجتك وأولادك؟!! ولكن طعم النجاح في كونك ابن ناجح وأب ناجح وزوج ناجح أكبر من نجاحك أمام المجتمع. ارض نفسك أولا، ثق في نفسك أولا، كن محل تقدير واحترام من نفسك وأهلك وزوجتك وأولادك، حينها ستأخذ قوة غير عادية لتحقيق النجاح المجتمعي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.